المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢١٦
معدومة ضرورة، فنسمع كلاما بعد أن لم نسمعه، ثمّ ينقضي سماعنا له. مع ما قد تحقق أن الإدراك ليس بمعنى، فيعلم أنّها ما كانت فكانت ثمّ انعدمت، فكيف يشكّ في حدوث ما هذا سبيله؟
و بعد، فانّ الكلام إنّما يكون كلاما بأن يترتّب البعض منه على البعض مثلا، كقولنا: «الحمد»، لأنّه إنما صار كذلك بتقدّم الهمزة على اللام، و اللام على الحاء، و الحاء على الميم، و الميم على الدالّ. و لو لا هذا الترتّب لم يكن بأن يكون الحمد أولى من أن يكون الدمح أو المدح، أو غيرهما من التركيب. و إذا كان كذلك فما يقع مرتّبا من الحروف بأن يكون البعض منه في أثر غيره و الغير متقدّم عليه، كيف يكون قديما، و الحرف الأوّل الذي يكون متقدّما على باقي الحروف في الكلمة كيف يكون قديما، و قد تعقّبه المحدث و ما سبقه إلّا بأقلّ قليل الأوقات و قد قال اللّه تعالى: «وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى» [١]، يعنى به القرآن. و ما كان قبله شيء لا يكون قديما. و قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا» [٢]، و المجعول لا يكون قديما و أضافه الى العربية و هي محدثة. و قد صرّح بحدوثه في قوله تعالى: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ» [٣] و لا يجوز حمل الذكر على غير الكلام، بدلالة قوله: «إِلَّا اسْتَمَعُوهُ» و كلّ هذا تنبيهات، و إلّا فالأمر في حدوث الأصوات و الحروف اظهر من أن يخفى و يحتاج إلى إطناب.
و وافقنا في حدوث الأصوات و الحروف و الكلام المركّب منها الكلابيّة و الأشعريّة و سائر الفرق. فانّ الكلابيّة و الأشعريّة إنّما يخالفون في إثبات كلام
[١] هود: ١٧.
[٢] الزخرف: ٣.
[٣] الأنبياء: ٢.