المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣١١
و أمره تعالى، فمن ينكر ذلك كان جاحدا لما يعلمه باضطرار.
إذا ثبت أنّ من ذكرناهم يتألّمون بالآلام و الأمراض التي لا تكون إلّا من جهته تعالى فالدلالة على أنّها حسنة هي أنّها من فعله تعالى، مع ما قد ثبت أنّه عزّ و جلّ لا يقبح بفعل القبيح و أنّ فعله لا يعرى من القبح و الحسن، لاستحالة التوهّم و السهو و الغفلة عليه.
و الدليل على أنّ هذه الأمراض و الآلام من فعله عزّ و جلّ، هو أنّه لو كانت من فعل غيره لكان ذلك الغير إمّا قديما أو محدثا. و قد دللنا على أن لا قديم في الوجود سواه تعالى و رددنا على الثنويّة قولهم بقدم الظلمة.
و نزيد هاهنا و نقول: الظلمة إنّما هي فقد النور عمّا يقبل النور و ليست هي ذاتا حتّى ينسب إليها فعل. و على هذا إذا فقدنا النور في الهواء لتصوّر فضاء مظلما. و لانّهم إنّما نسبوا الأمراض و الآلام إلى الظلمة، لاعتقادهم أنّ الآلام كلّها قبيحة، و قد بيّنا نحن أنّه قد يكون الألم حسنا. فبطل ما توصّلوا به إلى إسناد الإمراض إلى غيره تبارك و تعالى. و لا يجوز أن يضاف الإمراض إلى فاعل محدث، لأنّ الفاعلين المحدثين على تفاوتهم و تفاضلهم في الاقتدار لا يصحّ منهم امراض أحد ابتداء.
و بيان أنّ أفعاله تعالى لا تعرى عن الحسن و القبح هو ما أشرنا إليه قبيل هذا من أنّه تعالى يستحيل عليه السهو و الغلط و الغفلة. و فعل الساهي هو الذي يتصوّر أن يخلق عن الحسن و القبح.
فأمّا العالم الذاكر، فانّه لا يتصوّر في أفعاله الخلوّ عن الحسن و القبح، لأنّه لا يخلو من أن يكون له غرض صحيح فيما يفعله أو يكون له في ذلك غرض صحيح. إن كان القسم الأوّل كان فعله عبثا قبيحا، و إن كان الثاني، و هو أن يكون له في فعله غرض صحيح، فأمّا أن ينتفي عنه وجوه القبح أو لا تنتفي إن انتفى عنه جميع وجوه القبح كان حسنا بلا خلاف، و إن لم ينتف كان قبيحا.