المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٨
يقول في الجواب: إنّ القادر لا يصحّ منه وقوع ما قدر عليه إلّا إذا كان له إليه داع، و من دون الداعي لا يصحّ أن يفعل.
و بيانه أنّ ما قدر عليه القادر وقوعه و لا وقوعه بالنسبة إلى القادر على حدّ سواء، و كلاهما جائزان من دون ترجّح. و كذلك وقوع كلّ واحد ممّا قدر عليه من مقدوراته المختلفة المتضادّة جائز على حدّ سواء. و بقضيّة العقل معلوم أنّ بعض الجائزات لا يقع دون البعض و لا يترجّح البعض على البعض إلّا بمرجح و المرجّح في حقّ القادر إنّما هو الداعي، فلا يصحّ أن يقع منه إلّا ما له إليه داع.
و إذا كان كذلك و قد علمنا أنّه لا داعي له تبارك و تعالى إلى القبيح استحال منه وقوعه. ثمّ و إذا انضاف إلى عدم الداعي ثبوت الصارف، و هو علمه بقبحه و باستغنائه عنه، كان استحالته آكد، و ليس من قضيّة القادر أن يصحّ منه وقوع ما قدر عليه على جميع الأحوال، بل إذا صحّ قوعه منه على وجه ما كفى في كونه قادرا عليه، ألا ترى أنّ الممنوع قادر على الفعل و إن استحال وقوع الفعل منه مع المانع، لما صحّ أن يقع بتقدير زوال المنع. و كذلك فإنّه تعالى قادر فيما لم يزل، و إن استحال وجود الفعل الأزليّ، لما صحّ أن يفعل فيما لا يزال، فكذلك لا يمتنع أن يكون قادرا على القبيح، على معنى أنّه لو تصوّر أن يكون له إليه داع، لصحّ منه وقوعه.
فإن قيل: كما أنّ القبيح يدلّ على جهل فاعله أو حاجته، كذلك الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا، يدل على ذلك فلو جاز أن يقدر تعالى على القبيح لجاز أن يقدر على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا و اذا لم يجز أن يوصف بالقدرة على الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا، وجب أن لا يجوز وصفه بالقدرة على القبيح، و الّا فما الفرق؟
قلنا: هذه مغالطة، و ذلك لأنّ الخبر الصدق عن كونه جاهلا أو محتاجا، ليس دليلا على كونه على أحد الوصفين، بل كونه كذلك داخل في معنى