المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٥
لا يجوز أن يفعلا القبيح يستقرّ و ليتمّ العلم بصحّة السمع، لأنّ السمع إمّا أن يصدر من هذا أو ذاك. فإذا كان ذلك صحّ الاستدلال بالسمع في هذه المسألة و قد ورد السمع به في قوله «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [١] و في قوله: «إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ» [٢] و قوله: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» [٣] و قوله: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا» [٤] إلى غيرها من الآيات المتضمنة للتوحيد.
و قد استدلّ المشايخ بدلالة التمانع على أنّه تعالى واحد، ثمّ اختلفوا، فمنهم من بناه على وجوب تغاير مقدورهما. و منهم من قال بأنّه لا حاجة إلى تقدير تغاير مقدورهما، بل يكفي بيان صحّة اختلافهما في الداعي في هذه الدلالة.
و حرروا الدلالة بأن قالوا: لو كان مع اللّه إله آخر لصحّ وقوع التمانع بينهما بأن يحاول أحدهما تحريك جسم و جذبه إلى جهة بالاعتمادات الموجبة لذلك، و يحاول الآخر تحريكه إلى جهة اخرى بالاعتمادات الموجبة للتحريك إلى تلك الجهة.
و ذلك لأنّ من حقّ كلّ قادرين صحّة وقوع التمانع بينهما، ثمّ لو تمانعا على هذا الوجه لم يخل الحال من أحد امور ثلاثة: إمّا أن يحصل مراداهما جميعا، و هو محال لأنّ فيه اجتماع الضدّين، أو لا يحصل مراداهما، و هو أيضا محال لأنّه يكون مؤدّيا إلى كونهما ممنوعين متناهي القدرة، و ذلك يبطل كونهما قادرين لا نفسهما، أو يحصل مراد أحدهما دون الآخر، و ذكروا على هذا القسم وجهين، أحدهما أنّ هذا القسم أيضا محال، إذ هو وقوع مراد أحدهما دون الآخر مع اقتدارهما لأنفسهما، و مع دفع الأولوية. و الوجه الآخر أنّ هذا القسم فيه حصول مقصودنا. و هو أنّ من لم يقع مراده يكون ممنوعا متناهي القدرة غير قادر لنفسه، فلا يكون إلها، و إنّما الإله من وقع مقدوره و هو المقصود.
و قد سألوا أنفسهم على هذه الدلالة و قالوا: لم لا يجوز أن يقع مراداهما
[١] الاخلاص: ١.
[٢] النساء: ١٧١.
[٣] الشورى: ١١.
[٤] الأنبياء: ٢٢.