المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٣٩
في المتلف في الدنيا، فيجب أن يكون مساويا للألم في المقدار مقابلا له، و لو استوفي من الظالم أزيد ممّا يقابل ظلمه لكان ظلما عليه. و يجوز توفير العوض على مستحقّه، و إن لم يعلم أن ذلك حقّه، على ما ذكرناه من قبل، لأنّ المعتبر في العوض أن يكون نفعا او ما يقوم مقامه، و قد ينتفع بالشيء و يستلذّه من لا يعلم انّه حقه، فصحّ أن يوفّر العوض على من يستحقّه و إن لم يعلم أنّ ذلك حقّه:
و ليس كذلك الثواب و العقاب، لأنّ من شرطهما التعظيم و الاستخفاف، و لا معنى لفعل التعظيم إلّا إذا علمه من عظم به. و كذلك الاستخفاف إذ لا معنى لفعل الاستخفاف إلّا إذا علمه من استخفّ به.
فإن قيل: فهذا الذي ذكرتموه إنّما يقتضي أن يعلم المثاب أنّه معظّم بالثواب، و المعاقب أنه مستخفّ به بالعقاب. و ليس فيه بيان أنّ المثاب يعلم أنّ الثواب حقه الذي استحقّه، و المعاقب أنّ عقابه جزاؤه، و أنّه الذي استخفّه، فمن أين يعلمان ذلك؟
قلنا: إذا علم المثاب أنّه معظم مبجّل بالثواب، و قد تقرّر في عقله أنّ التعظيم المعتدّ به لا يحسن بدون الاستحقاق، يقدح له و يعلم أنّ ذلك حقّه الذي استحقّه. و كذا المعاقب أنّه مستخفّ به مهان بالعقاب، و قد تقرّر في عقله أنّ الإهانة و الاستخفاف لا يحسنان إلّا بمن يستحقّه، ينقدح له أيضا أن عقابه هو الذي استحقّه، إذ يعلم المثاب أنّه معظّم من جهة من لا يجوز عليه فعل القبيح، و كذا المعاقب فانّه يعلم أيضا أنّه مهان من جهة من لا يفعل القبيح.
إذا تقرّر ما ذكرنا، من جواز إيصال العوض إلى مستحقّه و توفيره عليه من دون أن يعلم أنّ ذلك حقّه الذي استحقّه في مقابلة ما وصل إليه من الآلام، جاز أن يوفّر اللّه تعالى أعواض كثير من المؤلّفين إليهم في الدنيا. و إذا كان المؤلّم الذي وصفناه غير مكلّف، جاز عقلا أن لا يعيده في الآخرة، إذ ما بقي له حقّ يضيع بأن لا يعاد، و جاز أيضا إيصال اعواض كثير من الكفّار إليهم في الدنيا،