المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٥١
حين كثر أتباعه و كاد يتمّ أمره.
فإن قيل: لعلّهم انصرفوا عن المعارضة، لاعتقادهم أنّ الحرب أولى، لأنّها منجزة و المعارضة ليست كذلك أو خافوا من وقوع خلف فيما يعارضون به القرآن، و هل هو مساوله أم لا؟ و يحصل فيه نزاع و يقوى الشوكة و يفضي الأمر إلى الحرب فقدّموا الحرب لذلك.
قلنا قول السائل: «لعلّهم انصرفوا عن المعارضة، لاعتقادهم أنّ الحرب أولى»، باطل لأنّه عليه السلام لم يدّع البينونة بالغلبة و القهر، و أنّهم لا يقدرون على قتاله حتّى يفرغوا إلى قتاله، و إنّما ادّعى البينونة بالقرآن و تحدّاهم بمعارضته، و إذا كان كذلك فلا يدخل على عاقل شبهة في أنّ المعارضة أولى من المحاربة.
و قد تقدّم أن هذا أمر لا يخفى على الصبيان، فانّ الصبيّ الذي قال له الصبيّ الاخر: «أنا أطفر هذا الجدول و أنت لا تقدر على ذلك»، يعلم أن دعواه إنّما تبطل بأن يطفر الجدول، لا بأن يضربه أو يشتمه.
هذا، لو وثقوا بالظفر و الغلبة، فكيف و هم على خطر فيه، و لا خطر في المعارضة، و كان يجب أن يقدّموا المعارضة، فان أنجحت [١] كفّوا عن الحرب، و إن لم تنجح [٢] حينئذ كانوا يرجعون الى الحرب. بل كان يجب أن يجمعوا بين الحرب و المعارضة، لأنّ احدهما غير مانع من الآخر، إذ المعارضة كلام مسموع لا يمنع منه الحرب، فكانوا يأخذون الحجّة من الوجهين على أنهم جرّبوا الحرب مرارا، فحيث لم يظفروا بما أرادوا كان يجب أن يأتوا بالمعارضة لتزول الشبهة.
هذا، مع أنّ الحرب كانت بعد الهجرة، فكان يجب أن يعارضوه قبل الهجرة.
و أمّا قول السائل: «أو خافوا من وقوع خلف و اشتباه في المعارضة و أنّها هل
[١] م: أنجعت.
[٢] م: تنجع.