المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٩٤
و قد قيل في الجواب عن ذلك: إنّ هذا لو قدح في كون ما يدخل جنسه تحت مقدور العباد معجزا لقدح أيضا في كون ما لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد معجزا و ذلك لأنّ سؤال الجنّ يرد عليهما جميعا، بأن يقال: جوّزوا أن يكون اللّه تعالى أجرى العادة فيما بين الجنّ بأنّهم مهما قربوا جسما من الميّت أحياه اللّه تعالى، و مهما قرّبوا جسما آخر من الأكمه و الأبرص أبرأهما اللّه تعالى، و مهما قرّبوا جسما آخر مخصوصا من العصا صارت حيّة كما أنّه تعالى أجرى العادة فيما بيننا بأنّ حجر المغناطيس مهما قرب من الحديد انجذب إليه بجذبه تعالى الحديد نحو المغناطيس. فعلى هذا يجب أن لا نثق بشيء من المعجزات و أن لا يمكننا الاستدلال بشيء من الأشياء على صدق الأنبياء، سواء دخل جنسه تحت مقدور العباد أو لم يدخل.
و يمكن الاعتراض على هذا الجواب بأن يقال: هب أنّ اللّه تعالى أجرى العادة فيما بين الجنّ بأنّهم مهما قربوا جسما مخصوصا من الميّت أحياه. و كذا القول في أشباهه مما ذكره السائل و عدّه. إلّا أنّا إنّما نجوّز ذلك بحيث لا نطّلع نحن عليه و لا نشاهده، لأنّا لم نر قطّ شيئا من ذلك. فإذا فعل تعالى شيئا من ذلك بحضرتنا و بحيث نطّلع نحن عليه، كان ذلك خارقا لعادتنا و لم يكن جاريا على مقتضى عادة الجنّ أيضا، فيكون جاريا مجرى تصديق الكذّاب إن كان المدّعي كاذبا و اللّه تعالى لا يصدّق الكذّاب فنعلم بظهور مثل ذلك على المدّعي صدقه و ليس كذلك نقل الجبل و طفر البحر و إلقاء الكلام الخارق للعادة بفصاحته، لأنّ نفس هذه الأشياء تكون خارقة للعادة فإذا جوّزنا أن يكون من فعل الجنّ و الجنّي يجوز عليه تصديق الكذّاب لم يمكن الاستدلال بشيء من ذلك على صدق المدّعي. فتبيّن بما ذكرناه أن سؤال الجنّ يقدح فيما يدخل جنسه تحت مقدور العباد و لا يقدح فيما لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد.
فإن قيل: مضمون ما ذكرتموه في هذا الاعتراض أنّ اللّه تعالى لا يحيي