المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٥
منه، ذلك، لكان يكون دليلا على الجهل أو الحاجة أو لا يكون دليلا و لا واسطة، لتردّد هذا التقسيم بين النفي و الإثبات، فإن قلتم يدلّ، كان ذلك قولا بصحّة دليل قيام على جهله أو حاجته، و ذلك يقتضي كونه في الحال على أحد الوصفين، كما ذكرته، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، و إن قلتم لا يدلّ، بطل دلالتكم على انفتاح أنّه لا يفعل القبيح، لأنّ الدليل الذي يجب طرده، فإذا تصوّر ثبوت مثل الدليل و لا مدلول، انتقض كونه دلالة، فكيف يمكنكم أن تستدلّوا على أنّه تعالى لا يفعل القبيح.
أمّا الرّد على الأوّل فهو أنّ نقول: لو كان القبيح إنّما يقبح للنهي، لوجب فيمن لا يعرف النهي و لا الناهي أن لا يعرف شيئا من القبائح. و هذا يوجب في البراهمة المنكرين للنبوّات أن لا يعلموا قبح الظلم و الكذب العاري من نفع أو دفع ضرر و العبث و المفسدة، كما لا يعرفون قبح القبائح الشرعيّة، و المعلوم خلافه.
فإن قيل: هم لا يعلمون قبح هذه القبائح، و إنّما اعتقدوا قبحها، لمخالطتهم لأهل الشرائع.
قلنا: فكيف لم يعتقدوا قبح الزنا و الربا و شرب الخمر لهذه المخالطة. و بعد فإنّ المقرّ بالنبوّة و بالشّرعيّات لو دخلت عليه شبهة في النبوّة فإنّه يضطرب عنده قبح القبائح الشّرعيّة التي عددناها، و لا يشكّ في قبح الظّلم و إخوانه ممّا عددناه ثمّ و لو كان القبيح يقبح للنهي لوجب أن يكون الحسن يحسن للأمر، فيلزم عليه أن لا يوصف أفعاله تعالى بالحسن أيضا، لأنّه كما لم ينه عن شيء، لم يؤمر بشيء.
فإن قالوا: الحسن يحسن للأمر و لانتفاء النهي عنه، فالقديم تعالى و إن لم يؤمر بشيء لم ينه من شيء، فيحسن فعله لانتفاء النهي.
قلنا: فقولوا: إنّ القبيح أيضا إنّما يقبح للنّهي و لانتفاء الأمر، و اللّه تعالى