المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٨
للأصول الصحيحة و إنّما يحال على العرب فيما يتعلّق بالفصاحة و التقدّم فيها و التأخّر فأمّا في الشبهات التي لا تخطر لهم بالبال فلا يجب ذلك فيها، و كيف يحال في مثل ذلك على العرب، و لو قالت العرب ذلك لم يكن في ذلك حجّة على أنّ العرب لو نفت أن يكون القرآن من فعل الجنّ، لكان السؤال متوجّها إليهم، بأن يقال لهم: ما الذي يؤمنكم من ذلك؟ و ما دليلكم عليه؟ و إذا كان كذلك لم يجز الحوالة عليهم فيه.
و يمكن أن يجاب عن سؤال الجنّ بأن يقال: لو كان الأمر على ما تضمّنه السؤال، لكان الدليل على صدقه في دعواه قائما مع ذلك، لأنّ إلقاء الجنّي القرآن إليه من بين الناس كلّهم دون غيره و اختصاصه به، سيّما إلقاء نجوم القرآن بحسب اقتضاء الحالات لها، و بحسب ما كان يحدث في الأوقات من الحوادث التي تضمّنت تلك النجوم بيان أحكامها و ما يتعلّق بها خارق للعادة و دالّ على تسخّره له عليه السلام. و ذلك لا يكون إلّا بتسخير اللّه تعالى الجنّي له في ذلك بتقوية الدواعي إلى ذلك و دفع الصوارف عنه، كما سخّرهم لسليمان عليه السلام، فذلك التسخير يكون من جهته تعالى، و هو خارق للعادة، فيدلّ على صدقه. و إذا علمنا صدقه نعلم بعد ذلك أنّ القرآن كلامه تعالى، و ليس هو كلام غيره عزّ و جل على ما أخبر عنه عليه السلام.
و قد كان شيخنا رشيد الدين، رحمه اللّه يردّ على أصحاب الفصاحة بأن يقول: لا يمكنكم بيان خرق العادة في ظهور القرآن على النبيّ عليه السلام.
و ذلك لأنّ عندهم أنّ اللّه تعالى يعطي [١] العرب من الفصاحة المقدار الذي كانوا يظهرونها، و أجرى عادته فيهم بذلك، و بعد نزول القرآن بقوا على ما كانوا عليه من الفصاحة لم ينتقض من فصاحتهم شيء، فأيّ عادة انخرقت على
[١] م: أعطى.