المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٣٦
الفصيح الذي تعبّدوا به أن يجعلوه في أبوابهم و يذبحوا الجمل و يأكلوا لحمه ملحوجا و لا يكسروا عظما، و يكون ذلك الجمل سنّة أبدا، و قد زال التعبّد بذلك. و في السفر الثاني قال اللّه تعالى: «قربوا إليّ كلّ يوم خروفين سنة خروف عدوة و خروف عشيّة بين المغارب، قربان دائم لأحقابكم».
فهذه ألفاظ تقتضي الدوام كالألفاظ التي ذكروها في السبت و ما اريد بها الدوام. فما أنكروا في مثل ذلك من ألفاظ السبت، سيّما و قد ورد من البشارات بالنبيّ عليه السلام على ما نشير إليه و نبيّنه إن شاء اللّه ما يحرز معه أن يكون النبيّ عليه السلام ناسخا للسبت و رافعا لتأبيده كما ارتفع تأبيد ما عددناه. لأنّا إذا رأينا ألفاظ التأبيد و ما اريد بها التأبيد لم نأمن أن يكون كذلك ألفاظ التأبيد في السبت، و أن يكون النبيّ الذي بشّر به، أو الذي دلّت عليه دلالة سوى البشارة بيّن أنّ ألفاظ التأبيد ليست على الدوام و أنّها كسائر الألفاظ التي لم يرد بها الدوام.
فإن قالوا: إن الألفاظ التي ذكرتموها قد بيّن موسى انّه لم يرد بها الدوام فلو كان السبت كذلك لبيّنه.
قلنا لهم: أبيّن موسى انقطاع تلك العبادات، و أنّها غير دائمة حين تعبّد بها أو بعد ذلك؟
فإن قالوا: بيّن ذلك بعد زمان متراخ، و هكذا يقتضي ظاهر التوراة، لأنّه قال في موضع: «يثقب أذن العبد و يستخدم أبدا»، و قال في موضع آخر:
«يستخدم خمسين سنة»، و لم يقولوا و لم ينقلوا أنّه بيّن في ذلك الموضع.
قلنا لهم: فإذا جاز أن يأمر موسى بالشيء أبدا و على الأحقاب، ثمّ يبيّن بعد ذلك أنّه ما أراد التأبيد جاز أن يبيّن ذلك نبيّ آخر، إذا كان البيان تأخّر في كلا الحالين.
فإن قالوا: إنّ موسى بيّن مراده بهذه الألفاظ في الحال.