المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧١
يبيّن ما ذكرناه أنّ أحدنا إذا علم انّ له في تناول طعام مخصوص لذّة، و دعاه هذا العلم إلى تناوله و إلى إرادة تناوله تبعا، على ما يقوله القوم، ثمّ فرضنا أنّه علم أو ظنّ أنّ في الطعام سمّا، فصرفه هذا العلم أو الظنّ عن تناوله؛ فلا بدّ من أن يصرفه عن إرادة تناوله و هذا معلوم موجود من النفس، إذ لا يمكن أن يقال: هو متردّد الدواعي في تناول الطعام، و لكنّه مريد جزما لتناوله. و ما اعتلّ به السائل قائم هاهنا، لأنّ المضرّة التي علمها بوجود السمّ في الطعام إنما هو في تناول الطعام لا في إرادة تناوله كما في مسألتنا أنّ المشقّة إنما هي في فعل النظر لا في إرادته.
فإن قيل: فما تقولون فيما يقدّر من دخول إنسان زرع غيره أو جلوسه على صدر غيره ليقتله، قبل كمال عقله ثمّ بلوغه و كمال عقله في تلك الحالة؟
أ تقولون بأنّه يجب أن ينظر أوّلا ثمّ ينزل عن صدر الغير أو يخرج من الزرع؟ فهذا قبيح شنيع، أو تقولون بأنّه يجب عليه الخروج و النزول ثمّ الاشتغال بالنظر؟
فهذا يقدح في قولكم إنّ النظر أوّل فعل يجب على المكلّف، و لا يمكنكم أن تقولوا: إنّ الواجب عليه إنما هو الامتناع من الإضرار و المرجع به إلى أن لا يفعل فلا يتوجّه على قولنا، و ذلك لأنّ النزول و الخروج فعلان.
قلنا: إن اتفق مثل هذا فانّه يجب أن ينظر بقلبه و يخرج بجارحته، أو ينزل عن صدر الغير فلا يلزم تقدّم فعل في الوجوب على النظر ثمّ و قد قيّدنا قولنا في النظر بأنّه أوّل فعل يجب على المكلّف ممّا لا يخلو مع كمال عقله منه، فلا يتوجّه عليه ما ذكره السائل، لأنّ هذا ممّا قد يخلوا لعاقل منه، بل ربما لم يتفق هذا قط و إنّما هو أمر مقدّر.
فإن قيل: قد جرى في كلامكم أنّ النظر يجب على العاقل في ثاني حال كمال عقله، فلم قلتم ذلك؟ و هلّا جوزتم أن يتراخى وجوبه عن الثاني إلى الثالث أو الرابع؟ بأن يتراخى سبب خوفه.