المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٧
قلنا: غير مسلّم وجوب انعكاس العلّة، بل العلّة في هذا الباب كالدّلالة في أنّه يجب اطّرادها، و لا يجب انعكاسها. و بيان ذلك ما قد علمنا على المذهب الصحيح أنّ السواد إنّما ينافي البياض لهيئة مخصوصة. ثمّ لا يجب فيما انتفت عنه تلك الهيئة أن لا ينافي في البياض، ألا ترى أنّ الحمرة و الصفرة و الخضرة كلّ واحد منها تنافي البياض و إن لم تخصّص [١] بهيئة السواد. و كذا الظلم إنّما قبح لكونه ظلما، ثمّ لا يجب فيما ... انتفت عنه الظلميّة أن لا يكون قبيحا كالكذب و العبث و المفسدة.
ثمّ يقال لهم: أ تثبتون الوجود أمرا زائدا على حقائق الأشياء متّحدا في الجميع أو تجعلونه راجعا إلى الحقائق المختلفة التي هي الأشياء.
إن قالوا بالثاني قلنا: فقد وافقتمونا في أنّ المصحّح للرؤية مختلف في الأشياء، و إنّما وقعت الشركة بين الأشياء في إطلاق اسم الوجود عليها، و إلّا فهي في المعنى مختلفة.
و إن قالوا بالأوّل، و هو أنّ الوجود أمر زائد على حقيقة الشيء و هو متحد في الأشياء.
قلنا: هذا باطل، لأنّا لا نرى السواد و البياض مشتركين فيما تناوله الإدراك فيهما. فبطل بذلك قولهم بأنّ الوجود هو الذي يصحّح كونه مرئيّا.
و أقوى ما تعلّقوا به من طرق السمع قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» [٢]. قالوا: و النظر و إن كان له فوائد من العطف و الرحمة و الانتظار و المقابلة و الفكر، فإنّه إذا علق بالوجود، علق بالوجه و عدّي بإلى لم يفد إلّا الرؤية، و إذا كان كذلك، فقد صرّح تبارك و تعالى بأنّه يرى.
و الجواب عن ذلك أن نقول: الرؤية ليست من فوائد النظر، و إنّما النظر
[١] م: يختصّ.
[٢] القيامة: ٢٢.