المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤١٣
الأحجار عليه يقتضي الاختصاص به و أنّه إكرام من اللّه تعالى له، فكيف يكون معجزا لغيره و أمّا ظهور الناقض للعادة على العكس ممّا التمسه الكاذب فجائز أيضا.
و ذلك نحو ما روي أنّه قيل لمسيلمة إنّ محمّدا تفل في بئر فكثّر اللّه ماءه القليل، فاتفل أنت في بئر قليل الماء، فتفل، فغار ما كان فيه من الماء. و انّه قيل له أيضا: إنّ محمّدا عليه السلام دعا لأعور، فردّ اللّه عينه الاخرى إليه، فافعل أنت مثله، فدعا لأعور فذهبت عينه الصحيحة.
و منع قاضي القضاة من ذلك، و استدلّ بمثل ما استدلّ به في منعه من ظهور المعجز إرهاصا للنبوّة، و قال: إنّ ذلك يكون معجزا لا تعلّق له بدعواه، إذ ليس مطابقا لها، فيكون نقض عادة ابتداء.
و الجواب عنه: انّه غير مسلّم ما قاله: من أنّه لا تعلّق له بدعواه، بل له تعلّق بدعواه على سبيل التكذيب، و بيانه أنّ تعلّق المعجز بدعوى الصادق ليس إلّا أنّه لو لم يكن صادقا في دعواه لما نقض اللّه العادة عند دعواه مطابقا لدعواه.
و مثل هذا التعلّق ثابت في دعوى الكاذب و هو أنّه لو لا كذبه في دعواه لما أظهر اللّه عليه الناقض للعادة على العكس ممّا التمسه و دعا به.
فإن قال: نفي المعجز كاف في تكذيبه، فإظهار المعجز عليه على العكس، لتكذيبه عبث.
قلنا: الاكتفاء بدليل لا يوجب أن يكون إقامة دليل ثان في المسألة عبثا قبيحا. و لو لم نراع هذا الأصل للزم عبثيّة ترادف الأدلّة و قبحه.
ثمّ إنّا نقول له: يلزمك على هذا التعليل أن لا يجوز ذلك إن حصل فيه غرض زائد على تكذيبه، كأن يكون مبالغة في تكذيبه و تقريرا لنبوّة من ظهر عليه المعجز مطابقا لدعواه فيخرج بذلك من كونه عبثا بلا خلاف و شبهة.
فإن قال: فإذا يكون ذلك المعجز تصديقا لمدّعي النبوّة الصادق في دعواه.