المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٩٠
و كذلك لا يجوز أن يكون معنى الضلال المضاف إليه تعالى خلق الضلال و الكفر في العبد، لأنّه لو كان كذلك لما استحقّ العبد عليه ذمّا و عقابا، و لما حسن من اللّه تكليفهم ترك الضلال و الكفر، لأنه يكون تكليفا [١] لما لا يطيقه العبد، و ذلك قبيح لا يفعله تعالى. و كذا لا يكون بمعنى الإشارة إلى غير طريق الحقّ و إيهام أنّه طريق الحقّ، لأنّه يكون تلبيسا للأدلّة و نقضا لما هو الغرض بالتكليف. و ذلك أيضا قبيح لا يفعله تعالى. فعلى هذا معنى ذلك الضلال إنّما هو العقوبة أو الحكم بأنّه ضالّ.
يوضح ما ذكرناه قوله تعالى: «وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» [٢]، أي الكافرين، بدلالة قوله: «وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» [٣] إلى آخر الآية. فبيّن انّه تعالى جزى فسقهم الذي هو الكفر. و جزاء الكفر إنّما هو العقوبة لا نفس الكفر.
و كذلك قوله تعالى عقيب قوله: «وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً، كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ. كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» [٤] و الرّجس هو العذاب فبيّن أنّه تعالى إنّما يفعل الرجس الذي هو العقوبة على الذين لا يؤمنون. و لو كان المراد بالضلال هاهنا الكفر لمكان معنى الكلام «كذلك يجعل اللّه الرّجس» الذي هو خلق الكفر «على الذين لا يؤمنون» فكأنّه قال: إنّما يخلق فيهم الكفر لأنّهم لا يؤمنون. و نفي الإيمان من المكلّف كفر، فيكون تلخيص معنى الكلام أنّه إنّما خلق فيهم الكفر لأنّهم كافرون و هذا خلف من الكلام.
[١] ج: لأنّه لو كان تكليفا.
[٢] البقرة: ٢٦.
[٣] البقرة: ٢٦.
[٤] الأنعام: ١٢٥.