المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٧٢
و أمّا الثاني، فمثل قوله: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ» [١]، و مثل قوله: «الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ» [٢]، و مثل قوله «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ» [٣] و غير ذلك و هذه الأخبار إنّما تكون أدلّة إذا وقعت مخبراتها، و معلوم أنّ الحجة بالقرآن كانت قائمة قبل وقوع هذه المخبرات.
فأمّا من جعل وجه إعجازه انتفاء الاختلاف و التناقض منه، فأنّما يمكن أن يجعل ذلك من فضائل القرآن و مزاياه. فأمّا أن يجعل ذلك وجه الاعجاز فلا، لأنّ الناس يتفاوتون في انتفاء الاختلاف و التناقض عن كلامهم فلا يمتنع أن ينتفي ذلك من كلام المتحفظ المستيقظ [٤]، فغير مسلّم أنّ ذلك خرق العادة. و قوله تعالى: «وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [٥] إنّما يعلم أنّه لو كان من جهة غيره لوجد فيه اختلاف كثير بعد العلم بصحّة القرآن و كون النبيّ صادقا فأمّا قبل ذلك فلا.
فإن قيل: ما أنكرتم من أنّ هذا القرآن أنزله اللّه تعالى على نبيّ من أنبيائه غير من ظهر من جهته فغلبه عليه و قتله الظاهر من جهته و ادّعاه لنفسه و أنّه معجزة هذا إذا سلم انّه خارق للعادة لفصاحته و أنّه من فعل اللّه تعالى دون غيره.
فإن قلتم: معلوم ضرورة، أنّ هذا القرآن لم يسمع من غيره و لا ظهر من جهته.
قلنا: ذلك مسلّم، غير أنّ من الممكن و ممّا يخطر بالبال أنّه أخذه ممّن لم يظهر أمره و لم ينتشر خبره بل لم يسمعه منه غيره و مثله و ادّعاه لنفسه و لم يكن أيضا مبعوثا إلى سواه فيجب المنع من قتله حتّى يؤديه إليهم فينتشر بذلك خبره.
[١] الفتح: ٢٧.
[٢] الروم: ٢.
[٣] البقرة: ٩٥.
[٤] م: المتيقظ.
[٥] النساء: ٦٤.