المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠٨
أعظم منه، فيكون تكرارا و إشارة إلى الوجه الذي تقدّم ذكره، و ذلك لأنّ ذلك الألم يكون مقصودا إليه كمن يؤلم نفسه و يتعبها، أو من يلي عليه [١] من ولده و مملوكه بالفصد و الحجامة و شرب الدواء البشع الكريه أو سقيه. و يقصد إلى ذلك الإيلام ليدفع به ما هو أعظم منه من ضرر الأمراض. و هذا الألم الذي ذكرناه آنفا [٢] ليس مقصودا إليه من حيث انّ قصد فاعله الدفع، فيؤدّي الدفع إلى الإيلام، فيقع الألم غير مقصود إليه. و من وجه آخر يفترقان: و هو أنّ الوجه الأوّل هو إيلام الحيّ ليندفع به ضرر أعظم منه عن ذلك الحيّ بعينه، و الوجه الثاني إنّما هو نزول الألم بالحيّ و المقصد في فعل سببه دفع الضرر المتوقّع حصوله من جهته عن غيره. فهناك وقع الألم دفعا [٣] للضرر الأعظم عن المؤلم، و هاهنا وقع دفع الضرر فيه انّما هو عن غير المؤلم، فيفترقان من هذا الوجه أيضا.
و منها: أن لا يكون مفعولا بمجرى العادة و جاريا مجرى فعل غير من فعله.
فإذا اختصّ الألم بوجه من هذه الوجوه حسن و لم يكن ظلما. و إذا تعرّى عن جميعها كان ظلما. و لهذا حدّدنا الظلم بأنّه ضرر غير مستحقّ لا يكون فيه نفع موفي عليه للمضرور و لا دفع مضرّة عنه هي أعظم منه و لا يظنّ فيه أحد هذين الوجهين و لا يكون واقعا على وجه الدفع، و لا يكون جاريا مجرى فعل غير فاعله مفعولا بالعادة. و كما يقبح الألم لكونه ظلما على ما بيّناه فقد يقبح لكونه عبثا، و قد يقبح لكونه مفسدة.
و الّذي يبطل قول الثنويّة بأنّ الآلام كلّها قبيحة، هو أنّ العقلاء بأسرهم يستحسنون ذمّ المسيء في وجهه مع علمهم بأنّ ذمّهم له يغمّه و يؤذيه. و إنّما يستحسنونه لكونه مستحقّا.
[١] ج: أو من يلي عنده عليه.
[٢] م: أيضا.
[٣] م: رفعا.