المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٠
بصحّة السمع، فلا يفيد الجواب الصادر من جهته تعالى في ذلك.
و ليس كذلك الرؤية التي لا تكون مكيفة، لأنّ الشك فيها لا يقدح في العلم بصحّة السمع، فيصحّ الاستدلال بالجواب الصادر عنه تعالى في هذه المسألة أنّه يرى أو لا يرى.
ثمّ انّا نقول: هذه الآية تدلّ على أنّه تعالى لا يرى، و ذلك لأنّه تعالى قال في جواب هذا السؤال: «لَنْ تَرانِي». و «لن» يفيد النفي في المستقبل على طريق التأبيد، إذ ليس فيه اختصاص بوقت دون وقت، فنفى أن يرى تعالى أبدا. و اذا ثبت أنّه لا يرى أبدا ثبت استحالة رؤيته، لأنّ أحدا لم يقل بانّه لا يراه موسى أبدا و هو مرئيّ.
فإن قيل: أ ليس اللّه تعالى أخبر عن أنّ اليهود لا يتمنّون الموت بلفظة «لن»، حيث قال تعالى: «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ» ثمّ أخبر عن أنّهم يتمنّون الموت في النار في قوله تعالى: «وَ نادَوْا: يا مالِكُ: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ».
قلنا: كما قال تعالى: «وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ»، أكّده بقوله «أبدا». و لا شكّ في أنّ لفظة «أبدا» يفيد التأبيد، فعلمنا بهذا أنّه أخرج الكلام مخرج المجاز.
ثمّ و يمكن أنّ يقال- و هو التحقيق-: إنّه تعالى أخبر أنّهم لا يتمنّون الموت في الدنيا قطّ، و الأمر على ما قاله تعالى و ما ذكره اللّه تعالى من تمنّنهم إنّما هو تمنّي الموت في الآخرة فلا يقدح فيما ذكرناه.
و وجه آخر: في الدلالة على انّه تعالى لا يرى من الآية، و هو تعليقه تعالى رؤيته بالمحال، لأنّه لا يخلو إمّا أن يريد بقوله استقرار الجبل بعد تحرّكه أو في حال تدكدكه و تحرّكه لا يجوز أن يريد به استقراره بعد تحرّكه، لأنّ من المعلوم أنّ الجبل استقرّ و موسى عليه السلام ما رآه. فعلم أنّه أراد استقرار الجبل في حال تحرّكه و هو محال، فثبّت بذلك أنّه علّق الرؤية بالمحال، و المعلّق بالمحال محال.