المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٤٦
قلنا: إنّ النبي عليه السلام في مدّة مقامه بمكّة ما كان بحيث يخاف جانبه و ما كانت له سطوة و لا كان في المسلمين كثرة، و لا لهم شوكة، بل كان الأمر معكوسا، إذ كانت الكثرة و الشوكة في جانب الأعداء. و لهذا كان يقول:
«لكم دينكم ولي دين»، و لهذا أيضا احتاج إلى الهجرة بالليل، و بعد هجرته و انتقاله إلى المدينة إنّما علت كلمته و ظهرت كثرة المسلمين و شوكتهم بعد زمان، و كان يجب أن يعارضوه في تلك المدّة و يظهروها و ينشروها في البلاد، و إذا ظهرت و نقلت لم يؤثّر فيه ظهور المسلمين و شوكتهم.
فإن قيل: المعارضة لم تقع في تلك المدّة و إنّما وقعت بعد الهجرة.
قلنا: فيكفي في الإعجاز و انتقاض العادة بالقرآن ارتفاع المعارضة ثلاث عشرة سنة، و لهذا لو عورض القرآن اليوم لما قدح في كونه معجزا خارقا للعادة في وقته. على أنّ الكفر و الشرك و إن ضعف بالمدينة بعد الهجرة و ما يقرب منها، فانّ سائر البلاد كان الكفر فيها [١] قويّا فكان يجب أن يعارضوه في تلك البلاد و يظهروها لينكشف بها بطلان أمره.
ثمّ نقول للسائل: الخوف لا يقتضي انقطاع النقل بالكليّة، و إنما يمنع من المظاهرة به، و لهذا نقل النصّ على أمير المؤمنين عليه السلام و نقلت فضائله مع حصول الخوف من بني أميّة، فكان يجب أن ينقل المعارضة خفيّا و على وجه لا يتظاهر به، و بعد، فانّ الخوف لم يمنع من نقل هجائه و السبّ له، فكيف منع من معارضة القرآن.
و أيضا فانّه يلزم على تجويز معارضة لم تنقل تجويز أن يكون في زمانه عليه السلام جماعة ادّعوا النبوّة و كذا بعده و ظهرت عليهم معجزات.
و مع هذا لم ينقل شيء من ذلك خوفا من المسلمين و البلوغ إلى هذا الحدّ تجاهل
[١] م: بها.