المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٧
إذ المعلوم لنا و كلّ عاقل أنّ معرفة اللّه تعالى لم يحصل فينا كحصول تلك العلوم التي ذكرناها، و إن قال بالثاني قلنا له فقد وافقتنا على أنّه يجب على المكلّف النظر في طريق المعرفة بقي علينا أن نبيّن أنّ المعرفة الحاصلة عند النظر ليست فعل غيرنا، و إنّما هي فعلنا، و هذا ممّا سنبيّنه إن شاء اللّه تعالى.
فإن قيل: لم لا يجوز أن «تقوم المعرفة الضرورية مقام الكسبيّة، فيستغني المكلّف عن النظر و الاستدلال؟
قلنا: لو قامت المعرفة الضروريّة مقام الكسبيّة، لوجب أن يفعلها اللّه تعالى فينا، لانّه المكلّف فاللطف يلزمه.
فإن قيل: إنّما لم يفعلها فينا لعلمه بأنّا نحصّلها بالنظر و الاستدلال و نستحقّ بذلك ثوابا ما كنّا نستحقّه لو لا نظرنا.
قلنا: فكان يجب أن يفعلها في الكفّار ان لو قامت الضروريّة مقام الكسبيّة، لعلمه تعالى بأنّهم لا يفعلونها فلمّا لم يفعلها فيهم دلّ على انّ المعرفة الضرورية لا تقوم مقام الكسبيّة.
فإن قيل: كيف تقولون إنّ النظر يجب على جميع المكلّفين؟ و انّه ممّا لا يخلو عن وجوبه عاقل إلى أن يفعله؟ و الظاهر أنّ أكثر العوامّ و أهل السواد لا يمكنهم النظر و الاستدلال و لا حلّ الشبهات؟ و لا يهتدون إلى شيء من ذلك، فكيف يكلّفهم اللّه تعالى النظر و الاستدلال؟ و هل تكليفهم ذلك إلّا تكليف ما لا يطيقونه؟
قلنا: نحن لا نقول بأنّهم كلّفوا بالنظر في دقائق العلوم و تلخيص العبارات عن الأدلة على ما يفعله المتكلّمون، و إنّما نقول بأنّهم كلّفوا النظر في رءوس المسائل و أوائل الأدلّة التي يهتدي إليها كلّ عاقل و أن يحصّلوا المعارف بها على طريق الجملة. و إذا ورد عليهم شبهة، فإن هم عرفوا تأثير تلك الشبهة فيما استدلّوا به فهم يتمكّنون أيضا من حلّها و ما هو جواب عنها. فإن فرضنا أنّهم لا يمكنهم