المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٨١
محمول على إرادته، و من أراد من غيره ما وقع منه و لم يكن محمولا على إرادته، كان راضيا به، و أجمع المسلمون على كفر من قال إنّ اللّه يحبّ الكفر و المعاصي و يرضى بها.
فإن قيل: كيف تدّعون الإجماع في ذلك؟ و قد ذكرتم في صدر المسألة أنّ الأشعريّ يقول: بأنّ اللّه تعالى يحبّ وجود الفساد و يرضى بوجود الكفر.
قيل: إنّما يقول ذلك مقيدا بتعليق المحبّة و الرضا بالوجود. و لو قيل له:
أ تقول بأنّ اللّه يحبّ الفساد و يرضى بالكفر من دون تقييد بالوجود و الحدوث؟
لامتنع منه و لم يتجاسر على القول به، و قد قال تعالى: «وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» [١]، «وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ» [٢]، «وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ» [٣]، و «مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ» [٤]. احتجّت المجبّرة في هذه المسألة بوجوه:
منها: قولهم: لو وقع ما لم يرده اللّه تعالى و لم يقع ما أراده لدلّ على عجزه و ضعفه تعالى عن ذلك. كالملك في الشاهد، فانّه إذا وقع من رعيّته ما لا يريده بل يكرهه أو لم يقع ما أراده منهم، دلّ على عجزه و ضعفه.
و الجواب عن ذلك أن نقول: أ ليس الملك إذا لم يوجد ما أمر به جنده، و ما أحبّه منهم بل وجد ما لم. يأمر به و لم يحبّه و لم يرضه دلّ على ضعفه و نقصه ثمّ فقد ما أمر اللّه تعالى به و أحبّه و رضيه لا يدلّ على ضعفه و عجزه؟ فكذلك لم لا يجوز أن يدلّ فقد مراد الملك على عجزه و ضعفه، و إن لم يدلّ فقد مراد اللّه تعالى على عجزه و ضعفه.
فإن قالوا: فقد ما أمر به الملك إنّما يدلّ على عجزه و ضعفه، لأنّه يكشف عن أنّه يتقوّى بطاعة جنده. و هذا في اللّه تعالى محال.
[١] البقرة: ٢٠٥.
[٢] الزمر: ٧.
[٣] غافر: ٣١.
[٤] آل عمران: ١٠٨.