المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٩٢
و تخصيصه تعالى له بالعلوم التي تمكّن بها من مثل تلك الفصاحة و تلك القدر و العلوم من قبل اللّه تعالى سبحانه، فسلم ما ذكرناه في خدّ المعجز من الطعن.
فإن قيل: تلك القدر و العلوم بأعيانها أو ما هو من قبلها و جنسها كانت مخلوقة من قبل في ذلك المدّعي، فلا تكون واقعة عقيب دعواه، فلا يكون تصديقا له.
قلنا: ليس الامر على ما قدره [١] السائل، بل لا بدّ في تلك القدر و العلوم ان تكون واقعة عقيب دعواه، لأنّها خارقة للعادة، و لا يجوز أن يخرق اللّه تعالى العادة في زمان التكليف لا للتصديق. و ذلك لأنه لو فعل ذلك لا للتصديق لقدح في دلالة التصديق، و يجب عليه تعالى في حكمته حراسة دلالة التصديق.
فإن قيل: قد أدخلتم في المعجزات ما يدخل جنسه تحت مقدور العباد إذا تعذّر عليهم الإتيان بمثله في المقدار و الوجه الذي اختصّ به كطفر البحر و نقل الجبال و الكلام الخارق للعادة بفصاحته، فلم لا يجوز فيما يجري هذا المجرى أن يكون من فعل بعض الملائكة أو بعض الجنّ. و لا يمكن الاعتصام من ذلك بأن يقال: وجود الملائكة و الجنّ إنّما يعلم سمعا و ذلك لأنّ وجود القبيلين و إن علم سمعا، فتجويز وجودهما في العقل، و كذا في العقل جواز أن يكون اللّه تعالى قد أجرى العادة فيهم، بخلق القدر الزائدة و العلوم الزائدة لهم، و إن يتأتى منهم بسبب ذلك ما لا يتأتى منّا، فإذا كان كذلك فكيف يمكن الاستدلال بما يدخل جنسه تحت مقدور العباد على صدق المدّعي؟
قلنا: قد أجيب عن ذلك بأجوبة، منها: إن قيل: إنّ هذا يكون استفسادا و يجب على القديم تعالى أن يمنع من الاستفساد، إلّا أنّ هذا الجواب ليس بصحيح. و ذلك لأنّ الذي يجب على القديم تعالى هو أن لا يفعل الاستفساد،
[١] م: قاله.