المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٥٧
مالا و لا ولدا على الحقيقة.
فإن قيل: لو جوّزنا أنّ لا يموت لو لا القتل أو السبب الآخر لكنّا قد جوّزنا تحقّق خلاف ما علمه تعالى، و في ذلك تجويز لتجهيله تعالى، أو انقلاب تعلّق كونه عالما بوجه منه إلى وجه آخر.
قلنا: قد ذكرنا قبيل هذا أنّا قد أجبنا عن هذا الخيال، و أزلفاه فيما سبق من كتابنا هذا و أعدنا زبدة ذلك الجواب و خلاصته، و نزيد هاهنا و نقول: هذا السؤال و هذا الكلام لا يصحّ أن يتعلّق به أبو الهذيل و من يذبّ عنه و ينصر مذهبه، لأنّهم يذهبون إلى أنّه لو لم يقتل لاماته اللّه بوجه و سبب آخر، فنقول لهم: أ ليس إذا أماته من دون القتل أو السبب الآخر الذي بطلت حياته به، بل ابتداء أو بوجه آخر لكان فيه تقدير تحقّق خلافه ما علمه؟ من حيث أنّ موته و إن حصل في ذلك الوقت إلّا أنّه يكون حاصلا لا بالوجه و السبب الذي علم تعالى أنّه يموت و يبطل حياته من القتل أو غيره؟ أ فذلك تقدير لتجهيله؟ أو انقلاب كونه عالما في تعلّقه؟ فما هو جوابه عن هذا السؤال، هو بعينه جوابنا عمّا سألنا عنه، فانكشف أن هذا السؤال لا يمكن أن يصدر عن أبي الهذيل و من يذبّ عن حريمه و مذهبه.
و احتجّ القاطعون من البغداديّين على أنّه كان يعيش لا محالة لو لا القتل أو السبب الآخر بأنّا نجد جماعة من الظلمة يقتلون في لحظة واحدة ألوفا من الناس، بل ربما يقتل ظالم واحد جمعا كثيرا من الناس في زمان متقارب، و كذا نجد سفينة تغرق فيهلك جميع من كان فيها من الناس بالغرق، و كذا قد رأينا خلقا ماتوا و هلكوا بالهدم في لحظة واحدة و لم يجر اللّه تعالى عادته و سنّته باماتته مثل اولئك الجمع دفعة واحدة. فأماتهم دفعة واحدة يكون خرقا للعادة، و ذلك لا يجوز إلّا في زمان الأنبياء فوجب القطع على أنّهم يعيشون لو لا القتل أو السبب الآخر.