المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٩١
و ذلك لأنّه لا يمكن أن يعلم أنّ أحد الشّيئين لا ينوب مناب الآخر فيما يرجع إلى ذاتيهما مع انتفاء العلم بما يرجع إلى ذاتيهما.
إذا ثبت و تقرّر أنّ العلم بالمخالفة إنّما يحصل مع العلم بما يؤثّر فيها لم يمكن الاستدلال بالمخالفة على إثبات ما يؤثّر فيها، إذ من حقّ الدليل و ممّا يكون طريقا [١] إلى أمر أن يكون العلم به سابقا على العلم بذلك الأمر.
ثمّ يقال: و المخالفة ليست حكما زائدا على الذات، إذ معناها كون أحد الشيئين غير مساو للشيء الآخر في حقيقتهما، و هذا آئل إلى النفي. بخلاف صحّة الفعل و صحّة الإحكام، و احتمال الجواهر للعرض، و صحّة تنقله إلى الجهات، إلى غير ذلك، لأنّ جميع ذلك آثار صادرة عن الذوات زائدة عليها، فيمكن أن نطلب لها علّة. و المخالفة بخلاف ذلك، لأنّ المرجع بها إلى ما ذكرناه من نفي المساواة بين الشيئين فيما يرجع إلى حقيقتهما. و لئن جاوزتا [٢] عن ذلك، فلم لا يجوز أن يخالف تعالى غيره من المحدثات بذاته المقدّسة.
و قولهم: «مخالفه [٣] أيضا ذات» نقول عليه: إنّما وقع الاشتراك بين ذاته تعالى و بين ذات غيره من المحدثات في التسمية. و إلّا فأين حقيقة ذاته تعالى من حقيقة ذات غيره. ما وقوع لفظ الذات على الحقائق المختلفة إلّا كوقوع لفظ العين على حقائقه المختلفة، فغير مسلّم أن ذات غيره كذاته تعالى، حتّى أنّه لا يجوز وقوع الخلاف بمجرّد ذاته.
و من عجيب القول أنّهم يذهبون إلى أنّ مجرّد الذات غير معقول و لا معلوم، ثمّ يقولون: الذوات كلّها مشتركة متساوية في الذاتيّة، و يبنون عليه القول بأنّه تعالى لا يجوز أن يخالف ما يخالفه بذاته. فما لا يكون معقولا و لا معلوما، كيف
[١] م: ما يكون طردهما.
[٢] م: جازتا.
[٣] م: مخالفته.