المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٢٦
فإنّ قيل: كيف تقولون: إنّ ما ذكرتموه منفّر و قد وقع القبول ممّن جوّز ذلك عليهم؟
قلنا: لسنا نريد بالتنفير أن لا يقع القبول جملة فيعترض بما ذكر في السؤال كلامنا، و إنّما نريد بالتنفير ما يكون معه أبعد من القبول فليس كلّ صارف عن الفعل يرتفع معه الفعل، كما أنّه ليس كلّ داع إليه يقع معه الفعل.
ألا ترى أنّ طلاقة الوجه و البشر في وجه الضيف داع إلى حضور طعام المضيف و ربما يقع معه الخصوم و القطوب و التبرّم في وجهه صارف عن ذلك و منفر عنه و ربما يقع معه الخصوم و لم يخرجا بذلك من كون أحدهما داعيا مقرّبا و الآخر صارفا منفرا، فكذلك القول فيما أورد في السؤال. و قد يقبل بعض الناس قول الماجن السخيف و لا يقبل قول الواعظ الزاهد الناسك المتعفّف، و لا يبطل بذلك كون المجون و السخف صارفا منفّرا، و كون الزهد و العفّة و النسك داعيا مقرّبا.
و ما اعتمدناه من دلالة التنفير ينفي عن النبيّ جميع القبائح و الإخلال بالواجبات و ببعضها في حال النبوّة و قبلها و كبائر الذنوب و صغائرها، لأنّ النفوس أميل و أسكن إلى من لا يعهد منه قطّ في حال من الأحوال، لا صغير و لا كبير و لا إخلال بواجب، و لا جوّزت عليه شيئا من ذلك منها إلى من كان بخلاف ذلك فوجب نفي الجميع عن النبيّ في كلّ حال، لما ذكرناه.
فإن قيل: الصغائر لا حظّ لها في استحقاق الذمّ و العقاب عليها و إنّما حظّها تنقيص الثواب و لو وجب تنزيه الأنبياء عمّا ينقص الثواب لوجب تنزيههم عن الإخلال بالنوافل.
قلنا: ليس الأمر في الصغائر على ما ذكر في السؤال من أنّه لا حظّ له في استحقاق الذّم و العقاب على ما سنبيّنه في نفي التحابط إذا تكلّمنا في الوعيد إن شاء اللّه تعالى و به الثقة.