المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٥
وجدنا من أنفسنا مكنة أن لا نفعله، و إذا جرّبناها في الامتناع عند نظرنا الصحيح، فانّا لا نجد من أنفسنا مكنة الامتناع من العلم، ألا ترى أنّ من علم أنّ الدخان لا يكون إلّا من نار في وقود، ثمّ رتّب عليه علمه بأنّ في موضع دخانا من غير شك و ريب ثمّ أراد تجربة لمحاله أن لا يعلم أنّ ثمّ نارا، فانّه لا يمكنه الامتناع من هذا العلم، فعلمنا بهذا أنّ وقوع العلم عند النظر الصحيح ليس على طريق الابتداء.
فإن قيل: فمخالفوكم ينظرون في أدلتكم كنظركم و لا يحصل لهم العلم، فلو كان النظر مولّدا لعلم لوجب حصول العلم لهم.
قلنا: لهم: غير مسلّم أنّهم ينظرون كنظرنا، إذا لو نظروا كنظرنا لحصل لهم العلم كحصوله لنا. ألا ترى أنّ راميين إذا رميا في سمت واحد فأصاب أحدهما الغرض و أخطأه الآخر، فانّا نعلم أنّ المخطئ منهما أخلّ ببعض شروط الإصابة، و إلّا أصاب كصاحبه و إن لم نعلم ذلك الشرط على طريق التعيين.
ثمّ نقول: إنّما لم يحصل للمخالف العلم من حيث انّه لم يعلم مقدّمات دليلنا أو لم يرتبه الترتيب الصحيح. مثلا إذا فرضنا المخالف لنا في حدوث الجسم، فهو إمّا أن لا يسلّم إثبات الأعراض أو لا يسلّم حدوثها أو لا يسلّم استحالة خلوّ الجسم منها أو لا يسلّم أنّ لها أوّلا. فأمّا إذا سلّم هذه الأصول، فلا يمكن أن لا يحصل له العلم بحدوث الجسم.
ثمّ نقول لمورد هذا الكلام إن أورده محتجّا مستدلا به علينا: اعلمت بالاعتبار الذي ذكرته شيئا، أ و ما علمت به شيئا؟ إن قال بالثاني- و هو انّه ما علم به شيئا- بطل احتجاجه و استدلاله، و إن قال بالأوّل- و هو أنّه علم به شيئا- بطل مذهبه في أنّ النظر لا يولّد العلم و ناقض في قوله.
فإن قيل: لم قلتم إنّ الاعتقاد الحاصل عن النظر في الدليل علم؟ و في الناس من ذهب إلى انّه لا علم إلّا الضروريّ؟ و أنّ ما يفضي إليه النظر لا يكون علما؟.