المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٧٠
و الجواب عنه: أنّ استدلال المشايخ إنّما هو بمدح و ذم يقعان على طريق المجازاة. ليس كذلك ما أشاروا إليه، لأنّ ذلك ليس واقعا على طريق المجازاة، و إنّما هو إخبار عن نقيصة أو فضيلة، و على هذا فانّه يمكن أن يصرّح الذامّ العبد على القبيح الواقع منه، بأن يقول له: و لم فعلته و عدلت من الحسن؟ و مثل هذا لا يمكن في الأسود و الأعور و الأعمى، بأن يقال: لم كنت أسود أو أعور أو اعمى.
و قد قالوا أيضا إنما يحسن مدح العبد و ذمّه على التصرّف الواقع منه، و أمره به و نهيه عنه دون سواده و تخطيطه لأنّه مكتسب له، و ليس مكتسبا لسواده و تخطيطه على ما حكيناه عنهم في الكسب.
فيقال لهم: ما تعنون بالمكتسب؟
إن قالوا هو من وجد في بعضه حركة أو سكون مع قدرة.
قلنا لهم: أ فيوجد العبد بتلك القدرة. الحركة أو السكون أو تحصله على صفة؟.
فإن قالوا: لا.
قلنا: قد نفيتم عن الذي سميّتموه قدرة معنى القدرة، فلم كانت القدرة قدرة على الحركة و لم تكن قدرة على السواد إن كان الأمر على ما تقولونه؟ بل لم كانت القدرة قدرة على الحركة أولى من أن تكون الحركة قدرة على القدرة؟ إذ لا يحصل أحدهما على صفة بالآخر ثمّ إذا كان هذا معنى الكسب فكأنّكم قلتم إنّما يحسن ذمّ العبد على القبيح، لأنّه خلق فيه، و خلق فيه قدرة و لم يحسن ذمّه على سواده، لأنّه خلق فيه وحده، و أيّ عقل يقبل أنّه يحسن ذمّ الإنسان، بأن خلق فيه شيئان، و لا يحسن ذمّه إذا خلق فيه شيء واحد، و أي جريمة له في ذلك.
فإن قالوا: المكتسب هو الذي تعلّقت قدرته بالفعل الواقع فيه.