المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٢٧
ثم و لو سلّمنا ذلك هاهنا تسليم جدل، لكان لنا أن نقول إنّها و إن لم يستحقّ عليها ذمّ و لا عقاب و إنّما تأثيرها في نقصان الثواب، فانّها بذلك لم تخرج عن كونها قبائح و ذنوبا، و كونهما ممّا يستحقّ عليها الذمّ و العقاب لو انفردت.
و ليس كذلك النوافل، لأنّه لا حظّ للإخلال بها في استحقاق ذمّ و لا عقاب بوجه من الوجوه في حال من حالات، فبان الفرق بينهما.
ثمّ نقول للمعتزلة: يلزمكم على هذا التعليل أن تجوّزوا الكبائر على الأنبياء عليهم السلام قبل النبوّة لأنّه لا حظّ لها بعد النبوّة أكثر من تنقيص الثواب، لأنّ عقابها و ذمّها قد زالا بالتوبة و تحمّل النبوّة. و لا جواب لهم عن ذلك إلّا ما قلناه من أنّها قبائح و ذنوب و إن كان عقابها و ذمّها زائلين أو الرجوع إلى التنفير، و أيّهما قالوا فهو بعينه قائم في الصغائر، على أنّ قولهم الصغائر كالإخلال بالنوافل في تنقيص الثواب ليس من الإنصاف و لا هو صحيح، لأنّ الإخلال بالنوافل لم يزل استحقاق ثواب كان مستحقّا مستقرّا، و الصغائر أزالت استحقاق ثواب كان مستحقّا مستقرا و الفرق ظاهر بين من كان على منزلة عالية ثمّ انحطّ عنها و بين من لم يبلغها قطّ في باب التنفير. الا ترى أنّ من ولي الخلافة ثمّ خلع لا تكون حاله في النفوس كحال من لم يلها قط و إن الخلع عن الخلافة مؤثّر منفر، و عدم الوصول إليها أصلا غير مؤثّر و لا منفّر.
و ثبت بما ذكرناه أنّه لا يجوز على النبيّ كتمان ما بعث لأدائه.
و يدلّ عليه، زائدا على ما ذكرناه، أنّ كتمانه لما بعث لأدائه يؤدّي الى نقض الغرض في إرساله و بعثته، لأنّ الغرض في إرساله إيصال ما حمّله و كلّف أداءه إلى من هو مصلحة لهم حتّى يكونوا مزاحي العلّة. فإذا بعث تعالى من علم حاله أنّه لا يؤدّي مصالحهم إليهم، انتقض الغرض و لم يكن تعالى قد أزاح علّتهم في تعريفهم مصالحهم و لا يجري تكليف النبوّة و أداء الرسالة مجرى سائر التكاليف في جواز أن يكلّف اللّه تعالى من علم من حاله أنّه لا يمتثل و لا يفعل،