المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٩
و إنّما يمكن بيان خرق العادة على مذهب أصحاب الصّرفة، بأن يقال: إنّ اللّه تعالى أعطى العرب من الفصاحة قبل وقوع التحدّي بالقرآن ما يقارب فصاحة القرآن و أجرى عادته فيهم بذلك، ثمّ بعد نزول القرآن و وقوع التحدّي به سلبهم تلك الفصاحة، بأن لم يخلق لهم العلوم التي بها كانوا متمكّنين من تلك الفصاحة، فيكون ذلك خرق العادة التي أجراها منهم و نقضها.
و لقائل أن يقول: إن لم يكن في ظهور القرآن على النبي- عليه السلام- خرق عادة على مذهب أصحاب الفصاحة بالوجه الذي ذكره، للزم أن لا يكون في طفر البحر و نقل الجبال [١] خرق عادة، لمثل ذلك الوجه، بأن يقال: العادة التي أجراها اللّه تعالى في الناس باعطائهم من القدر المقدار الذي به تمكّنوا من ظفر الجداول و نقل الأثقال ما انخرفت بعد طفر المدّعي للنبوّة البحر أو نقله الجبل، هم بعد ذلك ما كانوا عليه من قدرتهم على طفر الجداول و نقل الأثقال المعهودة، ما انتقضت قواهم و قدرهم فيجب على هذا أن لا يكون طفر البحر و نقل الجبال [٢] خارقا للعادة و لا يكون فيه دلالة على صدق من ظهر عليه، و معلوم خلاف ذلك.
فإن قال: لمّا أعطاهم، تعالى، ذلك المقدار من القدر و أجرى فيهم العادة به و لم يعطهم أكثر من ذلك المقدار، و لم يمكنهم من طفر ما يكون أوسع من الجداول المعهودة بكثير و لا من نقل الأثقال التي تزداد في الثقل على الأثقال المألوفة بكثير، كان نفي تمكينهم من تلك الزيادة كعادة جارية فيهم. فلمّا مكن المدّعي للنبوة من تلك الزيادة أو خلق فيه الطفر و النقل كان ذلك خرقا للعادة الراجعة إلى النفي.
قلنا: فخذ مثله من أرباب [٣] الفصاحة، بأن يقولوا: لمّا آتى اللّه العرب من
[١] و م: الجبل.
[٢] و م: الجبل.
[٣] م: أصحاب.