المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٢٠
ينقلب عليكم في إثباتكم الشعاع. و ذلك لأنّكم تقولون بأنّ أحدنا إنّما يرى المرئي باعتبار أن ينفصل من عينه شعاع و يتصل بالمرئيّ أو محلّه. فجوّزوا أن يسكّن اللّه تعالى هذا الشعاع، و لا ينبعث من العين، أو و إن انبعث فانّه يقلبه في الجوّ عن سمت المرئيّ أو يوصله ببعض المرئيّ دون بعض، فلا يرى المرئي أو لا يرى بعضه.
قلنا: لا ينقلب شيء من هذه الإلزامات علينا في إثبات الشعاع. و ذلك لأنّا إنّما علمنا وجوب رؤيتنا لما يحضرنا من المدركات مع صحّة أبصارنا، و الحاسّة إذا لم ينبعث منها الشعاع لم تكن صحيحة، بل تكون مئونة و بمنزلة العين الذي يزل إليها ماء.
و أمّا قولكم: «جوّزوا أن ينبعث الشعاع من العين ثمّ يقلبه تبارك و تعالى في الجوّ عن سمت المرئيّ»، فالجواب عنه أن نقول: الموضع الذي فرضنا انقلاب الشعاع منه إمّا أن يكون هناك ضوء آخر و شعاع آخر أو يكون هناك ظلمة. فان كان فيها ظلمة وجب أن نرى الظلمة. و إذا جوّزنا أن يكون في الظلمة شيء لا نراه لا يكون ذلك جهالة، و إن كان هناك ضوء آخر فيصير مع شعاعنا كشعاع واحد. فإن كان طرف ذلك الشعاع متصلا بالمرئيّ أو محلّه فكان شعاعنا يتصل به، فيلزم أن نراه. فتحقق أنّه لا يلزم منا شيء من الجهالات التي ذكرها الخصم.
فإن قيل: إذا كنتم تعتبرون في رؤيتكم المرئيّات أن يتّصل شعاعكم بالمرئي أو محلّه، فهلّا جوّزتم أن يكون تعالى مرئيّا، و إن استحال رؤيتكم له لاستحالة هذا الشرط في حقّه.
قلنا: ذهب جماعة من محققي الأصحاب إلى أنّ اتصال الشعاع بالمرئيّ أو محلّه ليس شرطا في رؤية المرئيّ، و إنّما الشرط حصول قاعدة الشعاع مع المرئيّ بحيث لا يكون بينهما ساتر و لا مكان يسع لساتر. فعلى هذا، هذا الشرط محقّق