المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٦٦
و بالجملة التي ذكرناها تبيّن أنّ وجه وجوب معرفة اللّه تعالى و معرفة الثواب و العقاب علينا إنّما هو كونها جارية مجرى دفع الضرر عن انفسنا، و أنّ ما يقوله المشايخ- من أنّ وجه وجوب المعرفة كونها لطفا في أداء الطاعات و اجتناب المقبّحات- تسامح منهم و تساهل. و ذلك لأنّ كون المعرفة لطفا إنّما هو وجه وجوب أن يكلّفنا اللّه تعالى المعرفة، و ليس ذلك وجها في وجوب فعل المعرفة علينا، إذ اللطف من حيث هو لطف إنّما يجب على المكلّف إذا كان من فعله. و إذا كان من فعل المكلّف فإنّه يجب على المكلّف الحكيم أن يكلّفه ذلك.
يبيّن ما ذكرناه أنّ اللطف إذا كان من فعلنا فانّما يجب علينا إذا كان لطفا في أداء واجب أو امتناع من فعل قبيح لما جرى ذلك مجرى دفع ضرر العقاب الذي يستحقّ على الإخلال بالواجب و ارتكاب القبيح، و لا يجب علينا ما كان لطفا لنا في فعل مندوب إليه. لم يحصل فيه هذا الوجه، و معلوم أنّ ما يجب لكونه لطفا يجب على المكلّف فعله، سواء كان لطفا في واجب و مندوب إليه.
فإن قيل: لم قلتم إنّ المعارف ليست ضروريّة على ما يقوله الجاحظ و أصحاب المعارف.
قلنا: قد جرى في كلامنا ما هو جواب عن ذلك، و هو أنّها لو كانت ضروريّة لما أمكننا دفعها عن أنفسنا بشبهة، و لما أمكننا النظر في طريقها و الاستدلال عليها.
ثمّ نقول لمن يدّعي انّ المعرفة ضروريّة: أ تقول: إنّها حاصلة فينا على حدّ علمنا بأنّ الكلّ أعظم من الجزء؟ و أنّ النفي و الإثبات المتقابلين يستحيل اجتماعهما، و على حدّ علمنا بالمدركات الجليّة؟ أو تقول: بأنّها لا تحصل إلّا عند النظر، و لكنّها مع ذلك ضروريّة؟ إن قال بالأول ظهر مكابرته و عناده،