المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٧٦
قلنا: قول من يقول ذلك باطل. و بيانه أنه نقول له: علمك الذي ادّعيته بأنّ الحاصل عند النظر ليس علما هو علم ضروريّ أو استدلالي؟ إن قال ضروريّ، قلنا قولك هذا ليس بأولى من قول من يقول: «أنا أعلم ضرورة أنّه علم»، بل قوله أقرب في العقل من قولك. لأنّ من يقول: إذا علمت أنّ الدخان لا يكون إلّا من نار و علمت دخانا في موضع معيّن فاعتقدت أنّ ثمّ نارا أنا أعلم ضرورة أنّ اعتقادي هذا علم»، يكون قوله أقرب في العقل من قول من يقول: «أنا أعلم ضرورة أنّ ذلك الاعتقاد ليس علما». و إن قال: «أعلم ذلك استدلالا»، قلنا فقد أقررت بأنّ النظر و الاستدلال يحصل عنده العلم و أبطلت مذهبك في أنّ الحاصل عن النظر في الدليل لا يكون علما. و بهذا [١] نجيب كلّ من احتجّ و تمسّك بشبهة في أنّ النظر لا يولّد العلم بأن نقول: نظرك و استدلالك هذا هل أثمر لك علما بما تقول أم لا، إن قال: فما أثمر لي علما، فقد أبطل متمسّكه و حجّته، و إن قال: نعم أثمر لي علما، أبطل مذهبه و ظهرت مناقضته.
فإن قيل: فما جواب المسترشد إذا قال: بم أعلم أنّ الاعتقاد الحاصل عند النظر علم؟
قلنا: بأن يعلم أنّه متعلّق بدخول معيّن في جملة معلومة، و بأنّ العين المطابقة لجنس لها من الحكم ما هو لازم للجنس، و ذلك لا يكون إلّا علما، و هذا معلوم ضرورة.
فان قيل: بم تبطلون قول الجاحظ: إنّ العلم إنّما يحصل عند النظر بإيجاب الطبع له؟
قلنا: الطبع الذي قاله لا يخلو من أن يعنى به كون الحيّ ناظرا في الدليل أو شيئا آخر. إن عني به الأوّل فهو الذي نقوله و إنّما يؤول خلافه إلى العبارة، و إن
[١] م: و لهذا.