المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٢٣٤
هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ» [١]، عنوا به القرآن، و أنّه ليس كلام اللّه تعالى على ما يقوله محمد، عليه السلام، فنتحرّز من إطلاق القول فيه بأنّه مخلوق لهذا الإبهام و نقول لمن يسألنا عن كون القرآن مخلوقا: إن عنيت به أنّه فعله تعالى و فعله مقدّر بحس مصالح العباد، فهو مخلوق بهذا المعنى؛ و إن أردت المعنى الآخر، فمعاذ اللّه أن يكون مخلوقا بذلك المعنى.
و القوم ربما يؤوّلون الخلق على معنى آخر، و ذلك المعنى هو كونه حيّا على ما يدلّ عليه ما يحكى عن بعضهم، فانّه يروى أنّه جرى بين واحد من العدلية، و بين واحد من الصفاتية في خلق القرآن، فجلس ذلك الإنسان الذي كان ينفي خلق القرآن من الغد للتعزية فقيل له: ما أصابك؟ فأجابهم بأن «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [٢] توفّى، فجلست للتعزية.
و هذا محال على ما ترى و دالّ على عدم فطنة من يقول ذلك، فانّا لا نعني بالخلق هذا المعنى و لا هو معلوم من وضع أهل اللسان. و ذلك لأنّ الخلق عندهم يفيد التقدير، قال الشاعر:
و لأنت تغري ما خلقت
و بعض القوم يخلق ثمّ يغري
يريد: تتمّم ما قدرته و غيرك ما يتمّم ما يقدّره.
و قد اختلف أهل العدل في معنى هذه الكلمة: فذهب البغداديّون إلى أن الخلق هو الاختراع، فلم يصفوا فعل غير اللّه تعالى بالخلق.
و ذهب البصريّون إلى أنّ معناه التقدير، على ما هو معروف من أهل اللسان ثمّ اختلفوا: فذهب أبو هاشم إلى أنّ معنى التقدير هو الإرادة، و كلّ فعل يفعل مع الإرادة له فهو مخلوق. و ذهب أبو عبد اللّه البصريّ إلى أنّ معنى التقدير
[١] الشعراء: ١٣٧.
[٢] الاخلاص: ١.