المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٦
نفسه هذا الأمر و قد يجد من نفسه هذا الأمر مع انتفاء هذه الصفات، فتحقق أنّه زائد على هذه الصّفات و بقي الاشتباه بينه و بين كونه عالما و كونه حيا.
و الدليل على أنّه زائد على كونه عالما أنّه يفصل بين ما إذا رأى شيئا فعلمه و بين أن يغمض عينيه مع ثبوت علمه بذلك الشيء، و كذلك يفصل بين ما إذا أدرك المدركات الأخر و بين ما إذا لم يدركها مع علمه بها في الحالين.
و كذلك قد يكون مدركا في حال نومه للألم بقرص البقّ و البرغوث و إن لم يعلمه، و كذا قد يدرك الصوت الذي بحضرته و إن لم يعلمه، و لهذا ربما يصير ذلك سببا لانتباهه، فثبت أنّه زائد على كونه عالما.
و بيان أنّه زائد على كونه حيّا هو أنّه قد يتجدد إدراكه لشيء مع استمرار كونه حيّا، كمن يحضره شخص فأدركه، فإنّ إدراكه لذلك الشخص متجدّد، و لم يتجدّد كونه حيّا في تلك الحالة، فثبت أنّه زائد على كونه حيّا.
و أمّا البغداديّون، فإنّهم يذهبون إلى أنّ الإدراك في الشاهد أيضا إنّما هو العلم بالمدرك إذا كان حاصلا من طريق الحاسّة، و يعنون بحصوله من طريق الحاسّة أن يؤثّر المدرك في الحاسّة كالصدمة التي يجدها السامع للصوت الشديد، و كما يجده من يدرك حلاوة صادقة أو حموضة أو حراقة في حاسّته، و كما يجده من لمس شيئا حارّا أو باردا.
قالوا: إذا حصل العلم بالمدرك عند تأثيره في حواسّنا كان ذلك العلم إدراكا. و على هذا بنوا قولهم بنفي كونه تعالى مدركا في الحقيقة، و أنّ معنى كونه مدركا للمدركات سميعا بصيرا، كونه عالما، و لم يجعلوه مدركا في التحقيق، لاستحالة حصول علمه من هذا الطريق.
و ربّما قالوا ليس الإدراك إلّا هذا التأثير الذي هو للمدرك في حاسّة المدرك.
و ذكر صاحب الفائق: «إنّا لا ننكر هذا التأثير، و لكن كون المدرك