المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٢٣
اختياره له، لأنّا لا نعلم رضاه لذلك و اختياره له بقلبه. و الحال فيه تعالى بخلاف ذلك. لأنّه عزّ و جلّ لا يؤلم أحدا غير مستحقّ للألم إلّا و قد علم أنّه لو أطلعه على مقدار العوض الذي ضمنه له في مقابلة إيلامه و خيّره بين أن يؤلمه و يعطيه ذلك العوض و بين أن لا يؤلمه، فيفوته تلك المنافع لاختار الألم ليحصل له العوض، و هذا آكد من أن يتلفّظ المؤلم باختياره.
و بعد فانّما يعتبر باختيار الأجير و إظهاره الرضا بما يعيّنه من الاجرة من حيث انّ الأمر فيما يعطيه من الاجرة مشتبه، فمن العقلاء من يختار تحمّل تلك المشاقّ لمثل تلك الاجرة، و منهم من لا يختاره بل يؤثر الرفاهيّة و الدعة. و ليس كذلك العوض المستحقّ على اللّه تعالى، لأنّه يزيد على الألم زيادة عظيمة لا يشتبه الحال فيه، بل يختار جميع العقلاء تحمّل مثل تلك الآلام لمثل تلك الأعواض، فلا معنى لاعتبار اختيار المؤلم. و يجري ذلك مجرى من قيل له: «قم من مكانك و خذ مائة ألف دينار». و لا وصمة عليه في القيام من مكانه، فانّ العقلاء يتساوون في اختياره ذلك. و من لم يختره من الناس يستدلّ بذلك على اختلال عقله فلنا أن نلي عليه و نكرهه على القيام، كما نلي على جميع الصبيان و المجانين، فنكرههم على مصالحهم.
فإن قيل: إنّما يحسن الألم للنفع إذا لم يمكن الوصول إلى النفع أو لا يحسن إلّا بالإيلام [١] ألا ترى أنّه لا يحسن منّا السفر و إتعاب النفس فيه طلبا للأرباح التي يمكننا الظفر بها في بلادنا. و إنّما يحسن ذلك منا إذا أعوزتنا تلك الأرباح في أوطاننا، و اللّه تعالى قادر على نفعنا بمقدار العوض من غير ألم، فلم يحسن الألم منه لنفع العوض.
قلنا: أمّا على مذهب أبي عليّ، فانّه لا يرد هذا السؤال. و ذلك لأنّ النفع
[١] م: بالألم.