المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٥٣
مدخل في استحقاق الذمّ.
و أمّا الدليل على أنّه تعالى قادر على القبيح، هو ما ثبت أنّه قادر على عقوبة العاصي و الكافر، و معلوم أنّ اقتداره على ذلك لم يتجدّد عند وقوع الكفر أو المعصية من المكلّف، بل كان قادرا على ذلك قبله، و عقوبته قبل ذلك قبيح.
و أيضا فانّه تعالى قادر على تعذيب الأطفال، و تعذيبهم ظلم قبيح، و بعد فانّه قادر على أن يخبر عن «العالم ليس قديما» بأن يقول: «العالم ليس قديما» فيمكنه أن يقول: «العالم قديم» باسقاط كلمة «ليس» لأنّ لفظة «قديم» لا يحتاج إلى لفظة «ليس»، و لا لفظة «العالم» محتاج إليه، و القول بأنّ العالم قديم قبيح، لأنّه كذب.
و يمكن أن يعترض على هذا الوجه بأن يقال: قوله: «العالم قديم»، إنّما يقبح، إذ أخبر به عن قدم العالم. فأمّا إذا لم يقصد به الإخبار عن قدم العالم، لم يكن خبرا عنه، فلم يكن كذبا و لا قبيحا. فمن أين إنّه يقدر على أن يقصد به الإخبار عن قدم العالم؟ و هل النزاع إلّا فيه؟ لأنّ القصد إلى هذا الإخبار قبيح.
و يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن يقال: إذا لم يقصد تبارك و تعالى بهذا القول إلى الإخبار عن قدم العالم، فأمّا أن لا يقصد به شيئا من المعاني، أو يقصد به إلى معنى آخر. فإن كان الأوّل، يلزم عليه قبح هذا القول بأن يكون عبثا قبيحا، و قد حصل المقصود، و هو اقتداره على القبيح؛ و إن قصد به معنى آخر و لم يفرق إليه شيئا آخر يدلّ عليه كان ذلك إلغازا و تعمية، فيكون قبيحا أيضا. فعلى الوجوه كلّها تبيّن اقتداره على القبيح.
و لو صوّرت هذه الدلالة في الإخبار عن أنّ زيدا ليس في الدار، بأن يقول:
زيد ليس في الدار، إذا لم يكن فيها، فإنّ هذا ممّا يقدر تبارك و تعالى عليه أيضا لأنّه صدق، و إذا حصل فيه غرض حسن فيقدّر على أنّ يسقط «ليس» فيقول: