المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٧٧
قولهم بأيّ غرض قالوه.
فنقول لهم أ تزعمون أنّ جميع القرآن مغيّر مبدّل أم بعضه دون بعض؟ إن قالوا كلّه، قلنا لهم: فجوّزوا أن يكون الفاتحة مغيّرة مبدّلة. إن قالوا بجواز ذلك، قلنا لهم: كيف يجوز و يتمّ التغيير في الفاتحة مع أنّهم كانوا يسمعونها منه عليه السلام كلّ يوم و ليلة في صلاة الجهر ستّ مرّات، و كانوا يعلّمونها كلّ من دخل في الإسلام، و كلّ مصلّ كان يقرؤها في الصلاة الواجبة و المسنونة، ثمّ و كانوا يقرءونها خارج الصلاة، و كلّ من يتعلّمها كان يعرضها على معلّميها.
ثمّ و كيف يجوز مع كثرة المعظّمين لها و القارئين أن لا ينكروا تغييرها و يقبلوها مغيّرة. بعد ما شاعت فيهم على غير النظم الذي حفظوها و تعوّدوا قراءتها، و لو جاز تغيير مثلها في شهرتها و ظهورها، لجاز تغيير كثير من الأخبار عن البلدان و الملوك و البقاع و الوقائع حتّى يجوز أنّ الكعبة و مكّة و المدينة ليست هي ما يتعارفونها بل أخرى، لكنّ الناس غيّروا الخبر عنها و كذا هذا في سائر البلدان و الملوك، و في ذلك لزوم طريقة السّمنيّة و زوال الثقة بمخبر الأخبار.
و إن قالوا: إنّما نجوّز التغيير و التبديل في بعض القرآن دون بعض و فيما عدا الفاتحة.
قلنا: الوجه الذي لم يجز التغيير في الفاتحة حاصل في جميع القرآن و هي شهرة جميعه و قوّة الدواعي إلى نقله على وجهه، لأن القارئين للقرآن و الحافظين له و المتعلّمين له و العارضين له على الرسول عليه السلام و المعلّمين لهم كانوا كثيرين، و كذا القارءون له في صلواتهم و الخاتمون له في زمنه، عليه السلام و زمن الصحابة بعده في غير الصلاة و في كلّ شهر رمضان في التراويح كانوا جماعات كثيرين و كانوا يزدادون عصرا بعد عصر، و كلّ هؤلاء كانوا معظّمين للقرآن و منكرين لتغييره لو غيّر. فكيف يجوز و الحال هذه أن يغيّر و يبدّل؟ و كيف لا ينكر ذلك منكر، و لا يجري للإنكار ذكر في عصر من الأعصار.