المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٣٠٠
الزيادات على المائة هي منافع ينتفع بها و لا يستضرّ بها أحد، فإن فعل كلّ ما هذا سبيله، كان قد فعل ما لا نهاية له، و ذلك محال؛ و إن لم يفعل بعض ما هذا وصفه، كان تاركا فعل ما له صفة الوجوب و ذلك غير جائز، أو فعل ما له إليه داع و لا صارف له عنه، و ذلك يقدح في اقتداره عليه.
فإن قيل: إنّما لم يفعل الزيادة على المائة، لأنّ في الزيادة عليها مفسدة.
قلنا: لا يستحيل في العقل كون ما زاد عليه غير مفسدة. و لو فرضنا هذا الذي ليس بمحال- و هو أن لا يكون في الزيادة عليها مفسدة- للزم منه المحال الذي ذكرناه، و هو فعل ما لا نهاية له، إن كان الاصلح في الدنيا واجبا، و المحال لا يلزم على فرض ما ليس بمحال. فيتعيّن أنّ هذا المحال، إنّما لزم على القول بأنّ الأصلح واجب، فوجب الحكم ببطلانه، و يلزم أيضا أن يخلق اللّه تعالى حيوانا بل حيوانات كثيرة، بل ما لا يتناهى من الحيوانات في موضع أو مواضع بحيث لا يطّلع عليها أحد من المكلّفين، و يتفضّل عليها بما لا نهاية له في الوقت الواحد من الأفعال، إذ لا يتصوّر ادّعاء كون تلك المنافع أو بعضها مفسدة، من حيث أنّ الكلام مفروض على انّ أحدا من المكلّفين لا يطّلع على تلك الحيوانات و منافعها، و ما لا يطّلع عليها المكلّف و لا يشعر به يستحيل أن تكون مفسدة له.
و أجابوا عمّا تمسّك به أبو القاسم و أصحابه بأن قالوا: الحكيم إذا و بخّ و ذمّ على الإخلال بما هو متفضّل به، و قيل له: لم لم تفعل كذا و كذا، كان له أن يذمّ ذامّه و يوبّخ موبّخه على ذلك و يكفيه في جواب قوله: «لم لم تفعل كذا»، أن يقول:
«لم أفعله، لأنّه لم يجب فعله».
قالوا: و أمّا البخل فهو منع الواجب، فيجب أن يبيّن الخصوم أنّ المخلّ بما ذكروه و تاركه تارك الواجب و مخلّ به حتّى يتمّ لهم القول بأنّه بخيل.
و قد توسّط الشيخ أبو الحسين بين الفريقين بأن قال: الأولى أن يقال: إنّه إن علم تبارك و تعالى أنّ الزيادة على المائة مفسدة فانّه لا بدّ من أن يفعل المزيد
المنقذ من التقليد ج١ ٣٠١ القول في اللطف و المصلحة و المفسدة ..... ص : ٢٩٧