المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٧٨
المشاهدات، حتى نجوّز أن يحضرنا جسم كثيف و لا نراه، و أن يكون من رأيناه شابّا كهلا، و لكن لا نرى شعراته البيض، لثبوت مانع زائد يمنعنا من رؤيتها، و لا طريق إلى إثبات ذلك المانع، و أن نجوّز أن يكون التصرّف الذي يجب وقوعه بحسب قصدنا و دواعينا، لا يكون فعلا لنا، بل يكون فعلا لغيرنا. و كذا يلزم في الموجبات حتّى نجوّز أن يكون الحكم الذي يجب عند أمر من الامور يثبت بثباته و يزول بزواله لا يكون صادرا منه، و إنّما يكون حاصلا لشيء آخر لا طريق لنا إلى إثباته، و ذلك جهالة.
و على هذا نفى أصحاب الصفات صفات زائدة على ما أثبتوها، فلم يثبتوا له تبارك و تعالى علمين و ما لا يزيد عليهما، و لا قدرتين و لا حياتين و لا إدراكين و لا إرادتين و لا بقاءين، و لا ما يزيد على ذلك لمّا لم يكن إلى هذه الزوائد طريق، و كذا لم يثبتوا له صفة خارجة من قبيل الصفات التي أثبتوها له لفقد الطريق إليه.
فإن قيل: إذا لم يدلّ دليل على ثبوت أمر لا يجب إثباته على ما ذكرته، و لكن لم لا يجوّز ثبوته بأن يقال: كما لم يدلّ على ثبوته دليل فكذلك لم يدلّ دليل على انتفائه فيجب أن يكون مجوّزا.
قلنا: إذا جوّزنا ثبوت ما لم يدلّ عليه دليل أي: ما علمنا قطعا أن لا دليل عليه لم يكن تجويز أمر أولى من تجويز ما زاد عليه و لم يثبت أولويّة في تجويز عدد دون عدد، فيجب تجويز ثبوت ما لا يتناهى و ما لا يتناهى محال ثبوته، و ما يؤدّي إلى تجويز ثبوت المحال يكون محالا.
فإن قيل: لا يلزم على القول بجواز ثبوت ما لا دليل على ثبوته الجهالات التي ذكرتموها و تجويز ما عددتموها من الامور التي علم نفيها. و ذلك لأنّا إنّما نجوّز ثبوت ما لم يدلّ دليل على ثبوته باعتبار أن لا يدلّ دليل على انتفائه. فأمّا ما دلّ دليل على انتفائه فإنّا لا نجوّز ثبوته، و قد دلّت الأدلة القاطعة على انتفاء الامور التي ذكرتموها.