المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ١٣٧
صاحبه. و هذا إشارة إلى اختلافهما في الداعي بأن يدعوا احدهما الداعي إلى إيجاد شيء واحد، و الآخر إلى ايجاد ضدّه، و اختلاف الإلهين الحكيمين في الداعي محال، لأنّ كلّ واحد منهما يكون عالما لذاته يعلم جميع ما يعلمه صاحبه، فإذا علم أحدهما تعلّق الصّلاح بايجاد شيء علم الآخر ذلك أيضا.
فكما يدعوه الداعي إلى ايجاد ذلك الشيء يدعو الآخر إلى ايجاده و مهما فرضنا تساوي شيئين في الصلاح، فانّه إنّما يختار أحدهما دون الآخر لمرجّح لا يتصوّر خلافه، و ذلك المرجّح كما يعلمه أحدهما يعلمه الآخر، فتحقّق بهذا أن اختلافهما في الداعي محال.
فإن قيل: التمانع غير مبنيّ على اختلاف المتمانعين في الداعي، لأنّ النائمين قد يتمانعان في تجاذب كساء يكون عليهما، و لا داعي لهما.
قالا: النّائمان أيضا لا يتمانعان إلّا لاختلاف داعيهما، بأنّ يكون كلّ واحد منهما مثلا قد أطال اضطجاعه على جانب فتأذى به، فدعاه ذلك إلى الانقلاب إلى جانب آخر، و لكنّهما بعد الانتباه لا يتذكران الداعي.
ثمّ وهب أنّ التمانع يمكن في النائمين من دون اختلاف الداعي، أ فيتصوّر في النائمين الذاكرين من دون اختلاف الداعي، هذا محال. فإذا تبيّن استحالة اختلافهما في الداعي تبيّن استحالة وقوع التمانع بينهما، فاذا قدّرنا وقوع التمانع بينهما، كان ذلك تقدير محال، فلا يمتنع أن يلزم عليه محال.
قال: و لو سلّمنا صحّة وقوع التمانع بينهما و فرضناهما و لمانعين فانّه لا يؤدّي إلى محال بأن يقال لا يقع مرادهما جميعا و لا يؤدّي ذلك إلى كونهما ممنوعين متناهي المقدور و لا إلى امتناع الفعل عليهما من دون وجه معقول. و ذلك لأنّ كلّ واحد منهما إذا كان قادرا على ما لا يتناهى لم يكن وقوع مقدور أحدهما أولى من وجود مقدور الآخر، و مع فقد الأولويّة يستحيل وقوع أحدهما دون الآخر، و يستحيل اجتماعهما، لتضادّهما، فلا يقعان لهذا الوجه، و هو فقد الأولويّة مع تضادّهما.