المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٨٨
مدركا، و من تفاصيل متعلّقات أوصافه بكونه قادرا عالما ما لا نعلمه، لا ما نعلمه على هذه الصفات على طريق الجملة، و هو يعلم التفاصيل التي أشرنا إليها، فنقول: هذا هو معنى كونه أعلم بنفسه منّا، كما انّه فصّل بين علمه بالمائيّة و بين علمه تعالى بها بالجملة و التفصيل.
ثم يقال له: يلزمك على هذا القول أن تثبت له تبارك و تعالى مائيّة لا يعلمها إلّا أنبياؤه، لأنّ الأمّة كما أجمعت على أنّه أعلم بنفسه منّا، أجمعت على أنّ أنبياءه، عليهم السلام، أعلم به منّا. و كذلك يلزمه أن يثبت لكلّ شيء مائيّة لا يعلمها إلّا هو، لأنّ الامّة أجمعت أيضا على أنّه تعالى أعلم بكلّ شيء منّا.
ثمّ الذي يدلّ على أنّه لا مائيّة له تبارك و تعالى ما قد علمنا أنّه لا طريق إلى إثباتها. و ما لا طريق إلى إثباته لا يجوز إثباته على ما بيّناه من قبل.
يبيّن ما ذكرناه- من أنّه لا طريق إلى إثبات مزيّة له تبارك و تعالى- أنّ الطريق إلى إثباته تبارك و تعالى إنّما هو افعاله لا غير، و صفاته تبارك و تعالى إنّما تثبت من هذا الطريق أيضا بانّ يدلّ على الفعل عليه أو وجه من وجوهه أو واسطة من وسائطه، و معلوم أنّ الفعل و وجوهه و وسائطه لا يدلّ شيء منها على أنّ له مائيّة.
و إنّما قلنا ذلك، لأنّ الفعل نفسه يدلّ على ثبوته تبارك و تعالى، و صحّته تقتضي كونه قادرا، و إحكامه يدلّ على كونه عالما، و وقوعه على وجه دون وجه يقتضي كونه مريدا، على ما بيّنا القول فيه، و صحّة كونه عالما قادرا يدلّ على كونه حيّا، و كونه حيّا يقتضي كونه مدركا عند وجود المدركات، و وجوب انتهاء الحوادث إلى أوّل يقتضي كونه قديما. و ليس وراء ذلك شيء آخر يمكن الاستدلال به على أنّ له مائيّة.
يزيد ما ذكرناه وضوحا أنّه ليس إثبات مائيّة له تبارك و تعالى، و الحال