المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٦٤
لإرادة أخرى، يلزمهم التسلسل و إن قالوا: إنّما ميّزها لداع زائد، قلنا: فقولوا مثله في تمييزه بعض المرادات عن البعض.
و لا يمكن أن يقال: هذه الإرادات لا تنفصل له قبل وجودها، كما يقال في الإرادات المتماثلة. و ذلك لأنّ هذه الإرادات مختلفة لتغاير متعلّقاتها عندهم فتنفصل له.
قالوا: أحدنا قد يدعوه الداعي إلى فعل في أوقات كثيرة، ثمّ لا يفعل في جميع تلك الأوقات و إنّما يفعل في بعضها، كمن يعلم حسن التصدّق بما يملكه من الدرهم في أيّام، ثمّ يتصدّق به في بعض تلك الأيّام، و أنّه يجد في الوقت الذي يفعل ذلك الفعل من نفسه مزيّة متعلّقة بالفعل، و هي الإرادة التي نثبتها.
و الاعتراض عليه ما سبق بأن يقال: الداعي المستمرّ الذي دعاه إلى الفعل في هذه الأوقات دعا أيضا إلى إرادة الفعل في هذه الأوقات، لما يذهبون إليه من أنّ الداعي إلى الفعل المراد هو الداعي إلى إرادته. فلما ذا فعل الإرادة في بعض هذه الأوقات دون بعض؟ إن قالوا: لإرادة اخرى، اتّجه عليه التّسلسل و إن قالوا: لمزيد داع أو لخلوص الداعي في ذلك الوقت الذي لم يكن من قبل.
قلنا: فارضوا بمثله في الفعل المراد.
قالوا: أيضا صيغة الخبر يجوز أن تقع غير خبر، و كذا صيغة الأمر يجوز أن تقع غير أمر بأن يكون إباحة أو تهديدا أو تحدّيا.
فإذا وقع صيغة الخبر خبرا و صيغة الأمر أمرا، وجب أن يكون ذلك الأمر هو كون فاعله مريدا. أمّا في الخبر فلكونه خبرا، و أمّا في الأمر فلحدوث المأمور به على ما هو مذكور في الكتب.
و الكلام على هذا أن يقال: الدّاعي هاهنا يكفي أيضا بأن يقال: إنّما صار صيغة الخبر خبرا، لأنّ المخبر علم أو اعتقد أنّه أو مخاطبه ينتفع بأن يعلمه حال المخبر عنه أو يجعله ظانا له. فإذا دعاه هذا العلم أو الاعتقاد لذلك إلى إيجاد