المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٩
و يمكن أن يعترض على هذا بأن يقال: فرق بين الموضعين. و ذلك لأنّا علمناه- تبارك و تعالى- فاعلا، إذ بأفعاله استدللنا على ثبوته و علمنا أنّه ليس بجسم، فعلمنا استحالة الآلات عليه، و علمنا حاجتنا إلى الآلات، فدعتنا الضرورة إلى أن نقول: الحاجة إلى الآلات في الأفعال راجعة إلى علّة تخصّنا، من كوننا قادرين بالقدرة، و لم يثبت مثل ذلك في هذه المسألة، لأنّا ما علمناه- تبارك و تعالى- بعد مدركا للمدركات، بل نحن في بيان ذلك و سبره بلى، لو ثبت لنا أنّه مدرك بدليل غير هذا، لكنّا نحكم بأنّ الحاجة إلى الحاسّة في الإدراك راجعة إلى ما ذكروه، فأمّا و لم يثبت لنا ذلك بل نحن في بيانه، فلا وجه يدلّ على ما قالوه.
فالأولى أن نرجع، في بيان كونه تعالى مدركا رائيا للمرئيّات، إلى السمع، في مثل قوله تعالى: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ» [١] إذ قد ثبت بما بيّنه علماؤنا- رضي اللّه عنهم- أنّ المراد نفي تعلّق الرؤية به تعالى، فيجب أن يكون المراد بقوله: «وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ»، إثبات الرّؤية له تعالى ليطابق النفي الإثبات و قد وصف اللّه تعالى نفسه بالسمع فقال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» [٢] و قال: «وَ كانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً» [٣] و قال: «إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرى» [٤]. و قد ورد في الأدعية المأثورة عن الأئمّة عليهم السلام: يا من يرى و لا يرى، يا أسمع السامعين، و يا أبصر الناظرين، يا سميع الدّعاء، يا سامع الاصوات. فيجب أن نثبته رائيا للمرئيّات سامعا للمسموعات.
فعند ذلك يتحقّق ما قاله الشيوخ من أنّ حاجتنا في رؤية المرئيّات و سماع الأصوات إلى الحاسّتين إنّما هي لما ذكروه من العلّة.
فأمّا إدراكه تعالى لغير هذين النوعين من الطعوم و الروائح و الحرارة
[١] الأنعام: ١٠٣.
[٢] الشورى: ١١.
[٣] النساء: ١٣٤.
[٤] طه: ٤٦.