المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٧
مدركا زائدا على هذا التّأثير»- و بيّن ذلك بأن قال-: «أحدنا عند ما يدرك شيئا و يرى مرئيّا يجد من نفسه أمرا زائدا على علمه راجعا منه إلى المدرك متعدّيا إليه، كما يجد ذلك في كونه عالما، فإنّه يعلم أنّ كونه عالما أمر راجع منه إلى المعلوم متعدّي إليه. و إذا كان كذلك لا يجوز أن يكون نفس التأثير. و ذلك لأنّ التأثير يرجع من المدرك إلى المدرك، فهو بالعكس ممّا يجده من نفسه.
و هذا قريب إذا ثبت أنّ كونه مدركا زائدا على هذا التأثير لم يستحل ثبوته في حقّه تعالى» [١].
و استدلّ المشايخ على ثبوت هذه الصفة في حقّه تعالى بأنّ قالوا: كونه حيّا هو الذي يقتضي هذه الصفة، و الشرط العامّ المراعى في جميع المدركين هو وجود المدرك، و قد ثبت أنّه تعالى حي و المدرك موجود، فيجب أن يكون مدركا.
و دلّوا على أنّ كونه حيّا هو المقتضي لكونه مدركا بأن قالوا: أحدنا إذا كان حيّا و صحّت حواسّه و ارتفعت الموانع المعقولة من الإدراك و وجد المدرك، تحتّم و وجب كونه مدركا، فلا يخلوا المقتضي له من أن يكون وجود المدرك أو ارتفاع الموانع أو صحّة الحاسّة أو شيئا وراء ذلك، أيّ شيء كان.
قالوا: و لا يجوز أن يكون المقتضي لكونه مدركا وجود المدرك، لأنّ وجود المدرك أمر منفصل عن المدرك، فلا يجوز أن تقتضي له صفة، لفقد الاختصاص به، و لأنّه لو اقتضى وجود المدرك كونه مدركا، للزم استحالة أن يدرك الواحد منّا الضدّين في حالة واحدة، و قد علمنا جواز ذلك و صحته، ألا ترى أنّا ندرك السواد في محلّ و البياض في محلّ آخر على تضادّهما.
قالوا: و إنّما كان يلزم استحالة أن نراهما في حالة واحدة لو كان وجود المدرك مقتضيا لكونه مدركا، لأنّ تضادّ الموجب يقتضي تضادّ الموجب.
[١] محمود الملاحميّ الخوارزمي، الفائق في أصول الدين، مخطوط، اليمن، المكتبة ...