المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٥٣
و أمّا قولهم: لو لا علمه تبارك و تعالى بهذا النوع من التمييز و التفصيل لما صحّ منه إيجاد أفعاله على ما يريده.
فالجواب عنه أن نقول: إنّا قد بيّنا أنّ التمييز المحتاج إليه في إيقاع الفعل بحسب قصد الفاعل و داعيه ما هو، و أنّ ذلك التمييز ليس هو الذي أشاروا إليه، فذلك التمييز حاصل له تبارك و تعالى على أتمّ ما يمكن، فلمكانه يصحّ منه إيقاع أفعاله على ما يريده و يكفيه كما كفى ذلك التمييز في أحدنا في وقوع أفعالنا بحسب قصدنا و داعينا.
و من وجه آخر: لا يصحّ التمسّك في هذه المسألة بكونه تعالى عالما و هو ما قد ثبت بالاتفاق بين المحققين أنّ كلّ ذات [١] لا تعلم ضرورة، فإنّما يمكن إثباتها إمّا بفعل أو حكم يصدر عنها، و من البيّن أن لا فعل للمعدوم، فلا طريق إلى إثباته إلّا من طريق الحكم، فكونه تعالى عالما ليس هو حكم المعدوم، حتّى يستدلّ به عليه.
و تعلّقوا أيضا بأنّ قالوا: القدرة متعلّقة بالمعدوم و التّعلّق [٢] لا يثبت إلّا بين شيئين، فينبغي أن يكون المعدوم شيئا معيّنا، حتّى تتعلّق القدرة به.
و الجواب عن ذلك أن نقول: ما تعنون بتعلّق القدرة؟ أ تريدون به أمرا زائدا على القدرة يثبت بينها و بين شيء معيّن؟ إنّ أردتم هذا، فبيّنوا أنّ المعدوم شيء معيّن، حتّى يمكنكم أن تدّعوا أنّ القدرة هذا التّعلّق، و إن أردتم به ما نفهمه و نعقله، فإنّا لا نعقل من تعلّق القدرة و القادر إلّا أنّه يصحّ منه إنشاء ذات أو صفة لذات.
ثم نقول لهم: يلزمكم على قولكم هذا أن يكون الوجود ثابتا في العدم، لأنّ القدرة تتعلّق بالوجود و هي فدرة على الوجود [عندكم فكما جاز أن يكون القدرة
[١] م: ذلك.
[٢] م: التعليق.