المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٩
و أيضا، فإنّ الأصل في العلم بالمعدوم هو ما نجده من أنفسنا من علمنا بأفعالنا قبل إيجادها و تميّز أجناسها بعضها من بعض، و علمنا بأحكامها التي تثبت لها عند الوجود و معلوم أنّا لا نجد من أنفسنا إلّا العلم بصورة تلك الأفعال و حقائقها التي تثبت لها عند الوجود، و لا نعلمها [١] على امور تقتضي أوصافا لها عند الوجود. و كذلك إذا علمنا في مقدوره تعالى سوادا فإنّما نعلم الهيئة الّتي تحصل للسواد عند الوجود، و لا نجد من أنفسنا أنّا نعلم السواد في حال العدم، على أمر يقتضي هذه الهيئة عند الوجود؛ و نعلم أنّ هذا العلم، كالعلم بالكتابة في أنّه علم بكيفيّة ترتيب تلك الرقوم و صورتها التي تحصل لها عند الوجود و لا التفات له إلى أمر ثبت حالة العدم، و لا متعلّق له فإذا ثبت أنّ العلم بالمعدوم إنّما هو تصوّر الحقائق و الأجناس و أنّه لا متعلّق له في وجود أو عدم. و على هذا فإنّه قد توجد الأشياء و تنعدم و علمه هذا لا يتغيّر، فبطل قول من قال: إنّ العلم بالمعدوم هو علم بشيء معيّن.
و قد تعلّق أصحاب المعدوم بهذه الطّريقة أيضا، بأن قالوا: أحدنا يعلم أفعاله قبل إيجادها و يميّز بعضها عن بعض، و على هذا يقع تصرّفه بحسب قصده و داعيه فلو لا علمه بها و تمييزه بعضها عن بعض لما كان يقع بحسب قصده و داعيه و هذا يبيّن أنّ علمه يتعلّق بالمعدوم، و التعلّق [٢] إنّما يثبت بين شيئين و أيضا فانّه يميّز بعضها عن بعض، فيجب أن تكون متميّزة، لأنّ العلم متعلّق بالشيء على ما هو به فعلى هذا تكون المعدومات متميّزات، فتكون أعيانا و ذوات، و هو المطلوب.
و الجواب عن ذلك: أنّا قد بيّنا من قبل أنّا كيف نعلم أفعالنا قبل وجودها؟ و كيف نجد علمنا بها، إذ قد ذكرنا أنّا نجد من أنفسنا
[١] م: و لا يعلمها.
[٢] م: المتعلّق.