المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٨٧
فقد ذكر أبو إسحاق في كتاب المبعث «أن المشركين كانوا يقولون ذلك».
و اللّه تعالى حكى عنهم ذلك في موضع آخر فقال: «وَ قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ» [١] فحكى اللّه تعالى ذلك عنهم رادّا عليهم بقوله: «وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً» [٢] أي: إن كان الأمر كما يزعمون أنّ في آذانهم وقرا و في قلوبهم أكنّة فما يسمعون و لا يفهمون، فلم قال: إذا سمعوا ذكر اللّه في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا، و هذا تأويل ذكره الواقديّ و غيره.
و قيل: المراد بذلك المثل أي مثلهم في إعراضهم عن التأمّل لما يسمعونه من كلام اللّه كأنّا جعلنا بينك و بينهم حجابا مستورا، و كأنا جعلنا على قلوبهم أكنة، و كأنّ في أسماعهم وقرا، كما قال تعالى: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً» [٣]، و كما قال تعالى: «إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ» [٤].
و هذا طريق التشبيه لحالهم بمن هذه سبيله، لا أنّهم كانوا كذلك على الحقيقة، كما يقول أحدنا لمن هو معرض عن الحقّ الظاهر: هو أعمى و هو أصمّ، و هو جماد، و نحن نعلم أنّ أيديهم لم تكن مغلولة و لا كانت أبصارهم مغشاة لا يبصرون. فعلمنا أنّه على طريق ضرب المثل به، قال الشاعر.
كيف الرشاد و قد صرنا إلى نفر
هم عن الرشد أغلال و أقياد
و في التوراة: «إنّ اللّه تعالى قال: و أنا أقسي قلب فرعون، فلا يحبّك يا موسى».
[١] فصلت: ٥.
[٢] الاسراء: ٤٦.
[٣] لقمان: ٧.
[٤] يس: ٩.