المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٨٠
و إنّما اختلفوا في أنّها هل هي آية من الفاتحة أو آية من كلّ سورة أو أنزلت ليبتدأ بها تبرّكا و استفتاحا في كلّ أمر ذي بال. و هذا الاختلاف فيها بعد الاتفاق على أنّها آية من القرآن لا يقتضي ما رامه المخالف.
فإن قيل: أ ليس قد روي بعض الصحابة أنّه قال: كان يقرأ في القرآن:
«الشيخ و الشيخة إذا زينا فارجموها البتة» [١]، و قوله: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما واديا ثالثا» [٢]؟
قلنا: هذه أخبار آحاد لم تقم بها حجّة فلا يصحّ القدح بها في الامور المعلومة. و على أنّ المروي في ذلك أنّه كان فيما أنزل اللّه: «الشيخ و الشيخة» و «لو كان لابن آدم واديان من ذهب»، و ليس فيه أنّه أنزل قرآنا. ثمّ و لو كان قرآنا أيضا لما ضرّنا، لأنّه كان قرآنا، ثمّ نسخه اللّه تعالى، أي تلاوته، على ما قال تعالى: «ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها» [٣].
و منها: أن طعنوا فيه بأن فيه خطاء من جهة العربيّة أو فيه تكرارا، ثمّ وقع فيه ما لا يعلم له معنى، كالحروف المقطعة في أوائل السور، أو فيه آيات متشابهات أو فيه تناقض و من طعن فيه بأمثال هذا فقد أتى في غيه و ضلاله من قبل نفسه، لجهله بمخاطبات العرب و تعارفهم و توسّعهم في كلامهم، أو علم ذلك و لكن تعمّد الطعن لشكّه في نبوّة محمد صلى اللّه عليه و آله.
و الجواب عن هذا الطعن على الجملة، ما أورده الشيخ أبو الهذيل على من سأله عن بعض ما يتشابه معناه من القرآن و يتوهم فيه التناقض. و هو قوله له:
«أو ما علمت أنّ العرب كانوا أشدّ عداوة له منهم؟» قال: «نعم». قال:
«و قد علمت أنّهم كانوا أعرف بما يتناقض من الكلام من هؤلاء الجهّال الطاعنين في القرآن». فقال: «نعم». قال: «و قد علمت أنّهم كانوا أحرص
[١] كنز العمال: ج ٢ ص ٥٦٧ ح ٤٧٤٣ و ح ٤٧٤٢.
[٢] كنز العمال: ج ٢ ص ٥٦٧ ح ٤٧٤٣ و ح ٤٧٤٢.
[٣] البقرة: ١٠٦.