المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٧
ثبت كونه خارقا للعادة فلا فرق بين أن يكون من فعله تعالى أو من فعل غيره من ملك أو جني؛ و قولهم: لو قدح هذا في كون القرآن معجزا، لقدح في سائر المعجزات و إن كانت من جنس ما لا يقدر عليه إلا اللّه تعالى، كإحياء الميّت، و إبراء الأكمه و الأبرص، و قلب العصا حيّة، بأن يكون تعالى قد أجرى العادة فيما بين الجنّ بإحياء الميّت عند تقريب جسم مخصوص إليه، و كذا القول في إخوانه من إبراء الأكمه و الأبرص و قلب العصا حيّة.
كلّ هذه الوجوه قد ذكرناها من قبل من حيث أشرنا إليه. فالواجب أن نذكر هاهنا ما لم نذكره هناك.
قالوا: إنّ سؤال الجنّ يقدح في سائر المعجزات من وجه آخر غير ما قدّمناه، و هو أن يجوز فيمن ظهر على يده إحياء ميّت أن لا يكون صادقا بأن يكون الجنّي أحضر من يعدّ حيّا و أبعد ذلك الميّت.
و يمكن الاعتراض على هذا أيضا بأن يقال: الميّت جسم كثيف إذا نقل من غير أن يلف في شيء أو يخفى في موضع، فانّ من كان صحيح الحاسّة حاضرا هناك يراه منتقلا متحرّكا، و كذا يرى الجسم الحيّ الذي ينقله الجنّي من بعد. و هذا بخلاف ما يفعله المشعبذون من إبدال ما يشبه الطائر الميّت بطائر حيّ، لأنّهم يلفّون ذلك في لفاف و يبدّلونه بالحيّ الذي هو عندهم و بالقرب منهم.
و أجيب عن سؤال الجنّ بأن قيل: لو كان الأمر على ذلك لوافقت عليه العرب فانّها بذلك كانت أبصر و إليه أهدى.
و هذا الجواب ليس بصحيح أيضا، لأنّه لا يجب أن تعرف العرب جميع الشّبه العارضة و الخواطر المتجدّدة، و لهذا تجدّد من مطاعن أهل الضلال و المبطلين كثير في متشابه القرآن، و لم يقنع العلماء في الجواب عنها بأن يقولوا مثل هذا القول بل بيّنوا الوجوه الصحيحة في ذلك و التأويلات المجوّزة الملائمة