المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٤
في السحر و الكهانة معروف، و من الممكن أن ينسبوا ذلك إلى اللّه و يقولوا إنّه تعالى فعله لا للتصديق، بل لمحنة العباد أو للمجد و الدولة على ما يعتقده كثير من الناس. على أنّ مثل هذا ينقلب على أصحاب الفصاحة بأن يقال:
إذا كانت العرب تعلم أنّ القرآن خرق العادة بفصاحته، فأيّ شبهة بقيت عليهم، فلم لم ينقادوا له؟ فأيّ جواب أجابوا به، فهو جوابنا بعينه.
فإن قيل: إذا كان الصّرف هو المعجز، فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام أو أقلّه فصاحة، ليكون أبهر في باب الاعجاز.
قلنا: لعلّ المصلحة اقتضت هذه المرتبة من الفصاحة في القرآن لا أنقص منها، فانّ المصلحة معتبرة في ذلك و غير لازم في المعجز أن يفعل كلّ ما كان أبهر و أظهر، و إنّما يفعل ما يقتضيه المصلحة بعد أن يكون وجه الإعجاز قائما فيه.
ثمّ يقلب السؤال على أصحاب الفصاحة و يقال لهم: هلّا جعل اللّه تعالى القرآن أفصح ممّا هو عليه بكثير، حتّى لا يشتبه الحال فيه على من سمعه و لا يمكنه جحده؟ فما أجابوا به فهو جوابنا بعينه.
فإن قالوا: أ ليس وراء فصاحة القرآن فصاحة زائدة عليها؟
قلنا: هذا باطل، لأن الغايات التي ينتهي الكلام الفصيح إليها غير متناهية و لا محصورة. و على هذا فانّ بعض آيات القرآن أفصح من بعض، فهلّا جعل اللّه آيات القرآن و سورها منادية في الفصاحة حتّى يكون أعجب و أبهر؟
ثمّ و لو سلّمنا أنّه ليس وراء فصاحة القرآن فصاحة زائدة فهلا سلب اللّه تعالى العرب في الأصل العلم بالفصاحة و يجعلهم في أدون الرتبة فيها [١] ليتبيّن مزيّة القرآن في الفصاحة تبيّنا أظهر ممّا هو ظاهر الآن.
ثمّ نقول: هذا الذي ذكره السائل اقتراح في الأدلة و المعجزات، و ذلك غير
[١] م: منها.