المنقذ من التقليد - الحمصي الرازي، سديد الدين محمود - الصفحة ٤٦٣
اريد به أنّه غير دالّ على صدق النبيّ عليه السلام، و أنّ العباد يقدرون عليه.
فأمّا أنّه معجز بمعنى أنّه خارق للعادة بنفسه أو بما يستند إليه، فموقوف على العلماء المبرّزين و المتكلّمين المحققين.
على انّه يلزم، من جعل جهة إعجاز القرآن الفصاحة، الشناعة أيضا لأنّهم يقولون إن كلّ من قدر على الكلام من العرب و العجم يقدرون على مثل القرآن، و إنّما ليست لهم علوم بمثل فصاحته.
و يلزم من قال: إنّ اللّه تعالى أحدث القرآن قبل كلّ شيء، أن لا يكون القرآن نفسه معجزا عنده لأنّ إحداثه لم يطابق الدعوى، و إنّما نزول الملك به هو المعجز.
و يلزم من قال إنّ جهة إعجاز القرآن هي ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب أن لا يكون أكثر القرآن معجزا لخلوه من ذلك.
و هذا يخالف ما أجمعت الأمّة عليه، من كون جميع القرآن معجزا، او يخالف ما وقع به التحدّي، لأنّ التحدّي وقع بجميع القرآن و بعشر سور منكرات و بسورة منكّرة. فما شنّع به السائل على أصحاب الصرفة يتجه مثله على أكثر أرباب المذاهب في جهة إعجاز القرآن.
فإن قيل: لو كان المعجز هو الصرف، لما خفي ذلك على فصحاء العرب، لأنّه إذا كان يتأتى منهم قبل التحدّي، ما تعذّر عليهم بعده و عند ما راموا معارضته [١]. فالحال في أنّهم صرفوا عن المعارضة يكون ظاهرة جليّة، فلا يبقى بعد ذلك شكّ في صدقه، عليه السلام، في دعواه النبوّة، فلم لم ينقادوا له.
قلنا: بل لا بدّ من أن يكونوا عالمين بتعذّر ما كان متأتّيا منهم، لكنّه يجوز و يمكن أن ينسبوه إلى الاتفاق أو إلى السحر، على ما كانوا يرمونه به، و اعتقادهم
[١] م: المعارضة.